"واقع الحريات الصحفية في الأردن بين روايتي الحكومة و"الصحفيين

في الملتقى الإعلامي العربي، الذي عُقد يوم 1 أيار (مايو) 2016 في الكويت، وحلّ فيه الأردن ضيف شرف، ألقى وزير الدولة لشؤون الإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة، الدكتور محمد المومني، كلمة أكّد فيها أن الحكومة الأردنية "اتبعت سياسة الانفتاح على جميع وسائل الإعلام، بما يكفل حريتها، ويحترم حقّها في الحصول على المعلومة". وقال إن التشريعات الأردنية تضمن "حق الصحفي في الحصول على المعلومات ونشرها، بما أوجب على جميع المسؤولين، بغض النظر عن رتبهم ومواقفهم، تزويد الإعلاميين بالمعلومات المطلوبة باعتبارها حقّا وليست منّة". وأضاف إن هذه التشريعات نصّت "على عدم توقيف الصحفيين"، وخصّصت لهم "غرفة خاصة للنظر في قضايا المطبوعات والنشر".

لكن في وقت كان فيه الناطق الرسمي باسم الحكومة يتحدّث في الكويت عن التعامل الحكومي "المثالي" مع الصحفيين، أصدر مجلس نقابة الصحفيين الأردنيي بيانا بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف، اليوم 3 أيار، دعا فيه تطبيق مبدأ إلى "الانسياب الحر للمعلومات، والانفتاح على وسائل الاعلام، وعدم وضع أي قيود". كما أعرب عن "قلقه من تزايد حالات توقيف الصحفيين في قضايا النشر"، وانتقد "تراجعا [حكوميا] عن التزامات رسمية سابقة بجواز عدم توقيف الصحفيين" المنصوص عليه في قانون المطبوعات والنشر، الذي قال البيان إن نصّين فيه عُطّلا استنادا إلى قرار صدر لاحقا لتفسير القوانين، سمح بتوقيف الصحفيين استنادا إلى قانونين آخرين غير قانون المطبوعات والنشر، هما قانون الجرائم الإلكترونية، وقانون أصول المحاكمات الجزائية، ما يؤدي، بحسب البيان، إلى "تراجع حرية الإعلام".

تصريحات الناطق الرسمي وردت ضمن تغطية وكالة الأنباء الأردنية "بترا" للمشاركة الأردنية في الملتقى، في حين ضمّنت نقابة الصحفيين انتقاداتها بيانا وزّعته على وسائل الإعلام، وفي العديد من هذه الوسائل، نُشر المضمونان المتناقضان -اللذان يفترض أنهما يصفان واقعا واحدا- متجاورين، في اليوم ذاته، من دون الربط بينهما، والإشارة إلى تناقضهما. فقد نشرتهما كلّ من "الدستور" و"الرأي" اليوم 3 أيار 2016، كما ورداها من المصدر. وفعلت الأمر ذاته "السبيل"، التي نشرت بيان "الصحفيين" على نسختها الورقية، في حين اكتفت بنشر تغطية "بترا" للملتقى على الموقع الإلكتروني للصحيفة.

أما "الغد"، فقد نشرت البيان وتغطية "بترا" للملتقى هي أيضا، لكن كان لافتا أنها حذفت من تغطية "بترا" الفقرة التي تحدث فيها المومني عن بيئة العمل "الاستثنائية" التي توفرها الحكومة للصحفيين، وأبقت على باقي التغطية.

في الحقيقة، لم يكن مضمون بيان نقابة الصحفيين هو الوحيد المناقض لتصريحات الناطق الرسمي، المنشور بالتزامن معها، من دون ربط بها، فبمناسبة يوم العالمي لحرية الصحافة،  نشرت صحيفتان متابعتين خاصتين، ناقشتا واقع حرية الصحافة في الأردن، هما "الدستور" التي نشرت تحليلا إخباريا، ورد فيه أن من بين الخطوات "العالقة" في ما يتصل بحرية الصحافة في الأردن "توقيف الصحفيين، والإصرار على تطبيق قوانين غير قانون المطبوعات والنشر على الإعلام، واحتكار المعلومة في بعض الأحيان عند صانعي القرار".

وفي السياق نفسه، نشرت "الغد" تقريرا عرض لآراء صحفيين ومسؤول حول واقع حرية الصحافة في الأردن، وفي وقت قدّم فيه المسؤول، وهو  المنسق الحكومي لحقوق الإنسان، باسل الطراونة، صورة مشرقة، أكّد فيها أن "الأردن يتقدم في مسيرته وتشريعاته الوطنية المتعلقة بالعمل الصحفي"، وأن إطلاق الحكومة لخطة وطنية شاملة لحقوق الإنسان "ستعزز من التشريعات الداعمة لحرية الصحافة"، فإن المدير التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين، نضال منصور، أشار إلى أن العام الماضي "حقق أعلى مستويات توقيف للصحفيين في الأردن"، وأنه كان "من أسوأ الأعوام فيما يتعلق باستخدام التشريع كأداة للتقييد"، قائلا إن "الحكومة تشرعن توقيف الصحفيين عن طريق قانوني منع الإرهاب والجرائم الإلكترونية".

موقع "جفرا"، كان الوحيد، ضمن حدود المواقع المرصودة، الذي نشر تعليقا على تصريحات المومني، فنشر مقالا مغفلا من أي اسم، قال فيه إن هذه التصريحات "لا تستند (...) إلى أي واقع أو حقيقة"، وليست أكثر من "كلام مجاني مستهلك"، مضيفا  أن "ما يضحك في حديث المومني أن حكومة عبد الله النسور هي أكثر الحكومات انتهاكا للحريات الإعلامية وتوقيف الصحفيين". ويشير المقال إلى قرارات "منع النشر" التي صدرت في أكثر من قضية، حُجبت، كما يقول المقال، معلوماتها عن الصحافة.

تحقق

تحقق