قصة اختفاء فتاة في اربد منذ شهر.. تغطيات إعلامية بعيدة عن المعتاد مع مثيلاتها

يتناقض "الهدوء" الذي يطبع تعاطي وسائل الإعلام مع حادثة اختفاء طفلة في الرابعة عشر من عمرها، مضى عليها الآن شهر تقريبا، مع تعاطي الوسائل ذاتها مع حادثة مشابهة، لفتاتين في العمر ذاته تقريبا، وقعت قبل شهرين،  وتتبعتها وسائل الإعلام بكثافة إلى أن عُثر عليهما، بعد أسبوع تقريبا.

يحدث هذا في وقت تمتلك فيه الحادثة الحالية كل مقومات الخبر الذي يثير في العادة اهتمام الإعلام، فالفتاة هي شقيقة شرطي توفي قبل خمس سنوات في مقر عمله. وقالت مديرية الأمن العام وقتها إنه انتحر، لكن عائلته أصرّت طيلة السنوات الماضية على أنه "قُتل" بعد أن اكتشف عملية تهريب مخدرات إلى سجناء. واتهمت الأسرة "الأمن العام" صراحة بـ"التستر" على قاتله. ويقول الوالدان الآن إن ابنتهما "خُطفت" للضغط عليهما من أجل إغلاق الملف المفتوح منذ العام 2010، وهي تتهم الجهات الأمنية بـ"التقصير" في البحث عنها.

 والد الفتاة فاطمة، عماد الصبيحي، وهو ضابط متقاعد في "الأمن العام"، وزوجته خديجة محسن، أعلنا يوم 13 أيلول (سبتمبر) الماضي، في مقطعي فيديو، نُشرا على "يوتيوب"، أن ابنتهما خرجت يوم 5 أيلول الماضيإلى دكان بقالة مجاور لمنزل العائلة في حي التركمان في إربد، ولم تعد. وقال الوالد إن الشرطة طلبت منه، عندما أبلغها، أن يتكتم على الحادثة "للحفاظ على سلامة" الفتاة. وهو ما فعله طيلة أسبوع، لكنه، كما يقول في الفيديو، قرر نشر الخبر عندما وجد أن الجهات الأمنية لم تبذل جهودا جدية في البحث عن الفتاة، إذ لم تأت الشرطة (حتى تاريخ نشر المقطع) إلى الحيّ، ولم تفتح أي تحقيق مع العائلة، بحسب قوله.

الوالدان قالا في مقطعي الفيديو السابقين إن ابنتهما "خُطفت" للضغط عليهما من أجل التوقف عن المطالبة بإعادة التحقيق في مقتل ابنهما، وقال الصبيحي إن العائلة تعرّضت للعديد من المضايقات التي تزامنت مع انتقال من كان مديرا لسجن السلط، إبان حادثة وفاة ابنه، إلى إربد. وأعلن الوالدان أنهما "يتنازلان" عن "دم" ابنهما، وأنهما سيتوقفان عن المطالبة بإعادة التحقيق، مقابل "إعادة" الفتاة. 

بعد أسبوع من إعلان اختفاء الفتاة، كتب الصبيحي على صفحته على فيسبوك أنه يتنازل عن منزله، وراتبه التقاعدي "مدى الحياة" لمن يدلي له بمعلومات تقود إلى العثور على ابنته. وكان هذا تقريبا آخر خبر أوردته وسائل الإعلام عن القضية، قبل أن تدخل في صمت شبه مطبق في القضية، إذ لم يمكن رصد أكثر من 3 مواد صحفية كُتبت منذ ذلك التاريخ، إحداهما عن شائعة وفاة الفتاة. هذا علما بأن القضية ما زالت مفتوحة، إذ أبلغ الصبيحي (أكيد) في اتصال هاتفي أن ابنته ما زالت غائبة، وأنه ليس لديه أي معلومة عنها. 

وكانت القضية كلها قد بدأت بمقتل الشرطي أحمد الصبيحي، يوم 3 أيلول 2010، إثر إصابته بطلق ناري في الكتف، وسقوطه عن برج المراقبة في سجن السلط، حيث كان يعمل. وقالت الجهات الأمنية إنه انتحر، بإطلاقه النار من سلاحه الشخصي. وأنه كان هناك رسالة كتبها على ورقة علبة سجائر. لكن والده قال إن الخط على الرسالة ليس خط ابنه. وأصر على وجود شبهة جنائية وراء الحادثة. فالجثة، كما يقول، كانت مهشمة الأسنان، وهناك آثار "تعذيب" عليها. ووفقه فإن ابنه "قُتل" لأنه اكتشف تورط "مسؤولين كبار" بتهريب مخدرات إلى السجناء. وهو ما نفته  الجهات الأمنية.

والدا الشرطى المتوفى أبقيا الملف مفتوحا طيلة الخمس سنوات الماضية، عندما نفّذا اعتصامات، واعترضا عدة مواكب رسمية لمسؤولين كبار، وأثارا القضية في مجلسي النواب والأعيان، وقابلا وزراء داخلية، ومسؤولين في الديوان الملكي. وقد حضرت القضية خلال هذه السنوات، بشكل أساسي في الصحافة الإلكترونية، بخاصة في مواقع محددة كان من أبرزها "السوسنة" و"سرايا" و"عمان نت" و"جفرا"، في حين همّشتها الصحافة الورقية بشكل كبير، واقتصرت تغطيتها، تقريبا، على نشر بيانات مديرية الأمن العام بهذا الخصوص، كان آخرها بيان صدر منتصف أيلول الماضي، ونفت فيه "الأمن العام" مجددا أي دوافع جنائية وراء الحادثة.

لكن الصحافة الإلكترونية التي سُجّل لها متابعتها القضية، أخلّت تغطيتها، مع ذلك، بمعايير مهنية، كان من أبرزها "الدقة" و"الوضوح"، إذ كانت تكتفي بنقل رواية العائلة و"الأمن العام"، من دون أن تربط الأحداث ببعضها، وأيضا من دون أن تستقصي إجابات على أسئلة أثارتها هذه الروايات.

وأبرز الأمثلة على ذلك، هو أن تغطيات الحادثة الأخيرة، وهي اختفاء الطفلة، لم تشر إلى أن هذا هو الاختفاء الثاني للفتاة، فقد سبق في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أن اختفت الفتاة، وفق والدها، بعد أن خرجت من مدرستها في إربد. ونقلت وسائل الإعلام وقتها عن الوالد أن من خطفها هو "من مروجي المخدرات وتجارها". ونقلت المواقع عنه أنه اكتشف هوية المختطف بعد "البحث والتحري" الذي ساعده فيه جيرانه. ووفقه فقد أبلغ ذلك لمديرية الأمن العام، متهما إياها بالتعامل مع القضية "بتشنج وتردد وبرود".

ويثير التساؤل هنا أن وسائل الإعلام التي أعلنت نبأ "اختطاف" الفتاة المرة الأولى، لم تعلن نبأ العثور عليها. كما يثير التساؤل أيضا، أن الوالد نفسه، لم يأت على ذكر هذه الحادثة، عندما أعلن عن "اختطافها" للمرة الثانية. رغم أنه في مقطعي الفيديو السابقي الذكر، قدّم سردا شبه تفصيلي لما قاسته العائلة خلال السنوات الخمس الماضية، أثناء محاولتها إثبات حقيقة مقتل ابنها.

ومن الأمثلة أيضا على الثغرات في التغطية، هو ما نقلته المواقع عن الوالد بأنه كان هناك "آثار تعذيب" على جسد ابنه، الأمر الذي عززه بصورة للجثة، قال إنه التقطها لابنه في المشرحة، تظهر وجهه مهشّم الأسنان، وعليه كدمات. وفي المقابل، ذكر بيان لمديرية الأمن العام وقتها، إن لدى الأمن العام صورا للمتوفى، التُقطت للجثة في الساعة الأولى للوفاة، وهي بحسب البيان، صور  "لم تظهر على وجهه أية آثار لكدمات أو كسر في الأسنان". ونقلت المواقع عن مديرية الأمن العام أنها "امتنعت" عن نشر هذه الصور "إكراما له ولذويه". لكن المواقع التي نقلت الروايتين، تداولت على نطاق واسع الصورة التي قال الأب إنه التقطها، من دون أن تحسم للجمهور هذا التناقض بين الروايتين.

أيضا، هناك سؤال يتعلق بلجنة شُكّلت للتحقيق في القضية، ثم أُعلن لاحقا عن تشكيل لجنة أخرى، من دون توضيح. ففي آذار (مارس) 2011،  نقلت وسائل الإعلام أن وزارة الداخلية شكّلت لجنة تحقيق "محايدة"، توافقت الوزارة مع والد المتوفى على أسماء أعضائها. لكن المواقع ذاتها نقلت في نيسان (أبريل) التالي، أن وزارة الداخلية شكّلت لجنة أخرى، وهو أمر قال بيان "الأمن العام" الأخير، إنه تمّ بسبب أن "بعض أعضائها [اللجنة الأولى] اعتذورا عن الحضور". ووقتها نقلت المواقع اعتراض عائلة المتوفى على اللجنة الجديدة وشككّوا بحيادها. لكن وسائل الإعلام طيلة هذه السنوات لم تتواصل مع أعضاء اللجنة الأولى، التي قيل إنهم اعتذروا لتستوضح منهم الأمر.

في السياق نفسه، لم تتحقق وسائل الإعلام من الأطراف المعنية، من صحة العديد من المعلومات التي ذكرها والد المتوفى، فلم تورد أي ردّ من مديرية الأمن العام على اتهامها بالتقصير في إجراءات البحث عن الفتاة، وذلك عندما أشار الصبيحي إلى انقضاء أكثر من أسبوع على الحادثة من دون أن تأتي الشرطة إلى منزل العائلة للتحقيق، أو تسيّر مركبات للبحث عنها في المنطقة.

أيضا، نقلت وسائل الإعلام عن بيان أصدره الصبيحي، في شباط (فبراير) 2012،  أنه التقى مع وزير الصحة السابق، الدكتور عبد اللطيف وريكات، وأطلعه على "بعض الأوراق المزوّرة والمتلاعب فيها"، وأن الأخير وعده بتشكيل لجنة داخل وزارة الصحة.  لكنه، والكلام للصبيحي، عندما التقى به لاحقا، اعتذر عن المساعدة وقال إن القضية "أكبر منه ولا يستطيع فعل أي شيء". وهذه رواية لم تقدّم وسائل الإعلام ردّا عليها من الوزير.

كما نقلت المواقع عن البيان السابق، أن الصبيحي التقى رئيس الوزراء السابق، عون الخصاونة. وأن الخصاونة، وفق الصبيحي، بعد مقابلة استمرت ساعة ونصف "تولدت لديه القناعة الكاملة بمقتل الشرطي"، فوعد "بالتحقيق بالقضية بنفسه"، قائلا "دم الشهيد برقبتي". ووفق الصبيحي، فإن الخصاونة حدد له موعدا للمقابلة، لكن لم يُسمح له بعدها بمقابلته. وهنا أيضا لم تستقص وسائل الإعلام هذه الرواية.

أيضا نقلت المواقع عن الصبيحي أن المستشار القانوني في وزارة الداخلية، محمد طبيشات، طلب منه مخاطبة منظمات حقوق الإنسان ونقابة المحامين، والطلب منهم "عدم التدخل في قضية مقتل ابنه". وأيضا لم يكن هناك ردّ على ذلك.

وما سبق هو مجرد أمثلة على الثغرات التي حفلت بها تغطية استمرت لسنوات، لكنها لم تفلح في تقديم حدّ أدنى من فهم ما حدث، وأبقت الكثير من الأسئلة معلقة من دون إجابات.

تحقق

تحقق