"الجاهة" مفردة اجتماعية انتقلت الى "السياسة" في وسائل الإعلام

أكيد- أنور زيادات

أصبحت "الجاهة" مفردة  تتصدر عناوين وسائل إعلام ، وجزء من التقاليد الاجتماعية والسياسية المحلية بعد أن كانت مفردة اجتماعية يقتصر وجودها في الإعلام  على اعلانات الصلح العشائري، ومن ثم زاد تداولها مع نشر المواقع الاخبارية لجاهات الخطبة والزواج، إلى أن اصبح الجدل يدور حولها بعد دخولها في المجال السياسي والرسمي.

 في يوم السبت 8 تموز والاحد 9 تموز 2017 تصدرت جاهة  لطي الخلاف بين وزير المياه والري حازم الناصر والمقاول مهدي الصيفي  أخبار الصحف والمواقع الإلكترونية، وجاء في الاخبار "ان الصيفي قدم اعتذاره للوزير أمام الجاهة التي ترأسها رجل الأعمال صبيح المصري والنائب خالد بزبز الحياري، وحضور كل من نائب رئيس الوزراء وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء الدكتور ممدوح العبادي والوزير الأسبق باسم السالم والنائب محمود النعيمات والنائب أحمد الصفدي".

هذه الجاهة التي حدثت تفاصيلها في أروقة وزارة المياه والري  نُشرت كخبر موحد في بعض صحف وما يزيد على 30 موقعا الكترونيا، وتتطابق التفاصيل يعود لقيام وسائل الإعلام بنشر بيان اصدرته وزارة المياه والري كما هو، وجاء في مقدمته "توجه رجل الأعمال الاقتصادي صبيح المصري، بحضور نائب رئيس الوزراء وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء ممدوح العبادي وعدد من النواب إلى وزارة المياه والري لتقديم الاعتذار لها من قبل مقاول وجه له المدعي العام تهم الافتراء والقدح والذم بحق وزير المياه والري حازم الناصر ووزارته".

والجاهة هي مصطلح عامي يدل على موروث اجتماعي يأخذه الأبناء عن الأباء والاجداد في المجتمعات التقليدية الشرقية, وغالباً ما يتم اللجوء إلى "الجاهة" لحل الخلافات والعقبات التي تعترض أفراد العشيرة  وأهل البلدة الواحدة.

مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) تتبع بعضا مما نشرته هذه المواقع حول هذه الجاهة وأخبار سابقة مشابهة، بالإضافة إلى بعض مقالات الرأي حول هذه الظاهرة:

أغلب وسائل الإعلام  نقلت بيان وزارة المياه تحت عنوان "جاهة لطي خلاف بين مقاول ووزارة المياه !" فيما وسائل أخرى ركزت على التفاصيل مثل" المقاول الصيفي يقبل رأس الناصر وزير المياه ويعتذر منه ، خلاف مقاول ووزير كان منظورا أمام المدعي العام ينتهي بجاهة ،شتائم تطال وزير وجاهة "ثقيلة" للاعتذار منه، جاهة من المسؤولين ورجال الاعمال لحل خلاف بين وزير المياه الناصر و مقاول، جاهة صلح لحل خلاف بين مقاول ووزارة المياه، الصيفي .. فضيحة وعليها شهود ... الناصر الحازم ينتصر لوزارة المياه، لماذا قبل المقاول الصيفي رأس الوزير حازم الناصر ؟

إلا أنه بعد ذلك نشرت وسائل إعلام ولو بشكل محدود نقدا لهذه الظاهرة, ومنها مواد إعلامية بعنوان هل ستقوم الحكومة برصد موازنة لإقامة خيم للجاهات لحل الخلافات بين المراجعين وكبار الموظفين، والجاهات في الأردن تصل الى صلب مؤسسات الدولة، كيف سمح المُلقي بذلك داخل مؤسسة حكومية ؟ جاهة صلح للوزير "الناصر" اثارت الرأي العام، حذرت بمجملها من انتقال عادة الجاهات من الأفراح والمناسبات إلى قاعات الوزارات والمؤسسات العامة لحل الخلافات.

كما ان المحتوى الاعلامي وخاصة مقالات الرأي حملت في طياتها نقدا لهذه الظاهرة والتي اعتبر بعضها ما يحدث اضعاف للقانون ودولة المؤسسات ومما جاء في احد هذه المقالات " مقاول اساء للوزارة، ولموظفيها، فالقانون اجدى به، ودولة المؤسسات هي القادرة وحدها وبمنطقها ان تحاسبه امام القضاء، ألم يدرك الوزير والمخضرم ممدوح العبادي ان الوزارات مكان "بالحد الادنى" لدولة القانون والمؤسسات، فلا يجوز ان ينقل لها آفات المجتمع باستسهال واستعراض امام الكاميرات".

مقال أخر بعنوان جاهات في دولة المؤسسات جاء فيه "أن تصل الجاهات الى صلب مؤسسات الدولة والجهاز الاداري فهذا أمر غير مقبول نهائيا، فالجهاز الحكومي يعمل ضمن تشريعات واضحة ومحددة يسهل تطبيقها في حال وجود مخالفة من أي مواطن "قل أو زاد شأنه". ولن يتطور الجهاز الاداري والحكومي لطالما بقي منطق "الجاهات" هو السائد في دولة المؤسسات".

وبعنوان دولة الجاهات والعطوات أم القانون والمؤسسات نشر مقال جاء فيه " لقد أصبح شعار ” إننا دولة مؤسسات وقانون” محل اختبار، ليس من الحكومة وأجهزتها، بل من  المشاركين في معادلة الدولة، وأية معالجة لأية مشكلة خارج أطر دولة القانون، وعلى رأسها الاحتكام للقانون والقضاء، هي محاولات فعلية لتقويض دولة المؤسسات والقانون".

وحمل مقال قديم نسبيا عنوان "الجاهة" صناعة وتجارة  "تساءل عن تعلق الأردنيين بالاستخدام المفرط للجاهات في كل مناحي الحياة لدرجة أن الجاهات أصبحت أسلوب حياة"، مضيفا "لقد أصبحت الجاهات صناعة وتجارة لها متخصصون وبيوت خبرة يحفظون الخطابات والكلمات عن ظهر قلب، لا أستبعد يوما من الأيام أن يكون هذا مقابل مكافأة مالية يتقاضى رئيس الوزراء أو الوزير نسبة مئوية منها وأصحاب الصالة يتقاضون النسبة المتبقية".

وعلى النقيض تروج بعض المقالات لهذه الظاهرة ويقول صبري ربيحات وهو وزير سابق  في مقال نشرته صحيفة الغد "الجاهة أقدر التنظيمات الاجتماعية على التدخل لتطويق الحوادث وأكثرها سرعة وكفاءة في الاستجابة لحاجة المجتمع للحماية والإصلاح والمحافظة والتجدد، وهي شبيهة باللجان المشكلة في المؤسسات الرسمية لإنجاز مهمات وأهداف محددة إلا أنها تتفوق في قدرتها وفعاليتها عليها لأسباب تتعلق بشرعيتها المستمدة من الناس وثقتهم بشخوصها  فالجاهة لا تزال نظاما فعالا وناجحا وربما متفوقا على الإجراءات الرسمية في تطويق الأحداث ومحاصرتها".

وقال رئيس تحرير صحيفة "العرب اليوم "السابق ورئيس تحرير موقع الأول نيوز أسامة الرنتيسي لـ(أكيد)، "نرفض جاهة وزارة المياه كما رفضنا سابقا جاهة لـ"الامن العام"، فهذا السلوك لا يتناسب مع دولة القانون والمؤسسات ولا يجوز للجهات الحكومية أن تتصرف بهذا الشكل بل نترك الجاهات للمسائل الشخصية، رغم ان هذه الجاهة هي فقط للتنازل عن الحقوق الشخصية المتعلقة بالقدح والذم، ولا زالت حقوق الوزارة المالية والقضايا المرتبطة بها تتابع في أروقة المحاكم كما وصلنا".

وأشار الى أن بعض وسائل الاعلام تعزز هذه الظاهرة السلبية  وتساهم انتشارها واستمرارها، في الوقت الذي يجب أن يلعب الاعلام دوراً مناهضا لهذه القضية ، ويتخذ موقفا ناقدا من المظاهر التي تضعف دولة القانون والمؤسسات، داعيا الى ضرورة ان يتناول الإعلام هذا الموضوع من جهة أخرى باستضافة قانونيين على سبيل المثال، وتناول آراء تقيم دخول مثل هذه المظاهر الى السلوك الحكومي خاصة وأن أبرز اطراف هذه الجاهة هم الحكومة والنواب.

كما أشار الى مظهر سلبي أخر يمارسه الإعلام في نشر أخبار الجاهات الاجتماعية مشيرا الى أن نشر عشرات الصور ل"جاهة خطبة" في المواقع الاخبارية يساهم في تضخيم هذا الامر ويعزز انتشاره بالمجتمع بدلا من ان يقننه، مشيرا الى أن الإعلام يقوم بعض الاحيان بأدوار وأعمال دون حساب للكلف فيطبل لبعض المواضيع، ويصنع احتفاليات في غير مكانها.

كما أثارت الجاهة اهتماما كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي وحفلت بالعديد من الانتقادات، والبعض طالب كل من حضر هذه الجاهة التزام بيته ليمارس "هواية اصلاح"، مشيرين الى "أن ادارة الدولة لا تتم بمثل هذا الاسلوب".

خبر جاهة وزارة المياه ما هو ألا خبر في سلسلة سابقة ومتعددة غطت الموضوع ومنها نواب الجاهات والإعفاءات الطبية ،وصك صلح عشائري بالأردن يطيح بمنظومة “القوانين والقضاء” يشرف عليه الرجل الثاني بالحكومة، النواب يتوجهون خلال عام بعشر جاهات لمصالحة زملائهم الغاضبين.

أخبار الجاهات غطت العديد من الموضوعات ومنها الخلافات التي يكون أحد اطرافها شخص يعمل في مؤسسة حكومية مثل رؤساء البلديات جاهة سلطية تنطلق بمعية العوايشة لمصالحة قموه  وعكروش، و اعتداء على معلمين جاهة صلح واعتذار رسمي للمعلمة المعتدى عليها في العقبة، وفي هذا الاطار أشارت احصائية بحالات الاعتداء على المعلمين والمدارس الى ان أغلب قضايا الاعتداء على المعلمين حُلت عبر الجهات والعطوات وليس عبر القانون، وهو الامر الذي يعني  حل المشاكل دون إعادة الحق إلى نصابه وعودة هيبة المعلم.

وكذلك الاعتداء على الاطباء، والاعتداء على موظفين رسميين مثل "جاهة اعتراف الـ الحديثات لآل الحواتمة  حول خلاف بين المذيع في التلفزيون الأردني ضيف الله حديثات و رئيس مجلس إدارة التلفزيون جورج الحواتمة، كانت الجاهات هي الوسيلة  لحل هذا الخلاف .

ويعتبر مجلس النواب مصدر واضح لأخبار الجاهات التي ينشرها الإعلام مثل: جاهة صلح بين الرحيمي  و المجالي برئاسة "الفايز"  ،الطراونة يستقبل 'جاهة' يقودها الروابدة للصلح بين الدغمي والقاضي ووجهاء ونواب محافظة جرش في منزل النائب فواز الزعبي ، وكذلك جاهة نيابية لمنزل النائب نضال الحياري لتطويق الخلافات والتداعيات التي وقعت في جلسة مجلس النواب الاربعاء بين النائب خالد الحياري بعد تعرض النائب نضال الحياري للإعتداء، وجاهات النواب !! وجاهة سياسية بامتياز في خطوبة معاذ ابو عنزة

وبعد ان اصبحت الجاهات احد مهام رؤساء الوزراء السابقين تداولت مواقع اخبار العديد من الإخبار في هذا الاطار منها "على غير عادة رؤساء الوزراء  الملقي يظهر للمرة الاولى في جاهة ، فهل هذه نذيراً ليصبح سابقاً، المصري يفكر بالاعتذار عن الجاهات العشائرية وقريباَ:رؤساء وزارات سابقون سيعتذرون عن جاهات الأعراس بالأردن.

تحقق

تحقق