الصحافة الأخلاقية والكفاح من أجل الجودة والديمقراطية في العصر الرقمي

أكيد- ترجمة آية الخوالدة

تطورت الصحافة اليوم بسرعة لم يسبق لها مثيل، لكن وسائل الإعلام التقليدية تعلمت بالطريقة الصعبة، أن ثورة المعلومات، بكل صفاتها التحريرية، سيف ذو حدين. ففي الوقت الذي أصبحت وسائل الإعلام قادرة على تقديم قصص من جميع أنحاء العالم في ثوان معدودة، تكافح غرف الأخبار من أجل الحفاظ على قواعدها الأخلاقية ومقاومة التحيز السياسي والنفوذ المالي والقوالب النمطية وتضارب المصالح.

شهدت السنوات الـ15 الماضية انخفاضا كبيرا في عوائد وشعبية الصحافة الإخبارية التقليدية، اذ غيرت التكنولوجيا من طرق التواصل بين الناس، حيث يحصل معظمهم اليوم على الأخبار من خلال الهواتف النقالة ومنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت غنية عبر استغلال البيانات الشخصية للمستخدمين واستنزاف الإعلانات من وسائل الإعلام التقليدية، والتي أُغلق العديد منها وبالأخص الصحف، وأصبح من الصعب الوصول إلى مصادر موثوقة للأخبار، رغم توسع مساحة الحرية بشكل كبير.

ومن خلال التقارير والدراسات التي تقوم بها شبكة الصحافة الأخلاقية، وجدت أن العديد من الصحفيين في تركيا وسوريا ومصر وباكستان والصين واندونيسيا، لا يزالوا ملتزمين بقول الحقيقة والأخلاقيات المهنية، رغم المناخ الاقتصادي والسياسي العدائي المستمر.

ويعد هذا الالتزام القاعدة الذهبية في وقت التحول الاجتماعي الراهن، والفوضى التي تعيشها ثقافة الاتصالات العالمية، ومن هذا الباب أصبح الدفاع عن الصحافة الأخلاقية وتعزيزها مهم جدا في تأمين وحماية وسائل الاتصالات في المستقبل.

وتهدد الأخبار المزيفة والدعايات السياسية والاساءات الخبيثة عبر الانترنت، الديمقراطية وتفتح المجال من جديد للمدافعين عن حرية التعبير وصانعي السياسات والإعلاميين، ليجمعوا ما بين التكنولوجيا الرقمية والسياسة الفاسدة والاستغلال التجاري لوسائل الاتصال.

ومن هذا المنطلق تسعى شبكة الصحافة الأخلاقية للترويج لنقاش جديد حول الحاجة الماسة لإدراك أهمية الصحافة المقيدة بإطار أخلاقياتها لبناء الثقة العامة، وبالرغم من عدم تحمس العديد من الجهات لوضع مدونة أخلاق جديدة، الا أن القيم الاساسية في العمل الصحافي وهي الدقة والاستقلالية والصحافة المسؤولة، والتي تطورت على مدى السنوات الـ 150 الماضية، تبقى على صلة كما كانت في أي وقت مضى، دون أن تتأثر في العصر الرقمي.

وما يقتضيه الأمر - بحسب الشبكة - شراكة جديدة مع جمهور وسائل الإعلام وواضعي السياسات لإقناعهم بضرورة تعزيز الصحافة الأخلاقية والتي يمكن استخدامها كمصدر إلهام للبرامج الجديدة في محو الامية المعلوماتية.

 اليوم لا يحتاج الصحفيين فقط الى مراقبة لغتهم واحترام الحقائق، انما كل شخص لديه ما يريد قوله في العلن عبر التواصل الاجتماعي، كما عليه أن يضبط نفسه أخلاقيا، ويلتزم بالقيم الأخلاقية الأساسية وهي تقديم الحقائق، واحترام الانسانية والشفافية والاعتراف بالأخطاء، على أن يكون ذلك تطوعاً منهم وليس مدفوعا بالقانون.

تشعر الحكومات- حتى الديمقراطية منها- بالقلق من الاساءة عبر الانترنت وانتشار الأخبار المزيفة، لذلك تهدد شركات التكنولوجيا التي لا تعمل على إزالة المعلومات الخطيرة التي تبث على منصاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، ورغم أن ذلك يمكن أن يحد من المعارضة المشروعة وحرية التعبير، لكن الأهم دعم وتعزيز الاتصالات الأخلاقية.

وتستمر قضية انتشار المعلومات المغلوطة في بيئة خالية من القيم، في ظل سيطرة عمالقة التكنولوجيا مثل فيسبوك وغوغل وتويتر وأمازون على تلك المساحات، والتي تهتم فقط في تحقيق الأرباح واستخدام الخوارزميات المتطورة وبنوك البيانات الشخصية لتشغيل الإعلانات الرقمية، دون الالتفات إلى طبيعة هذه المعلومات وأثرها على المجتمع واذا ما كانت استفزازية أو صادمة أو مسيئة، طالما أنها تحقق أكبر عدد ممكن من النقرات. وبغض النظر عن مدى تطور الروبوتات الرقمية إلا أنها غير قادرة على التعامل مع الأخلاق والأخلاقيات.

بعد سلسلة من الفضائح الأخيرة التي تمثلت بتدفق صور التعذيب والقتل على شبكة فيسبوك، وظهور خاصية البث المباشر والتي استغلها العديد في بث جرائمهم مباشرة أو انتحارهم، وشكاوى العديد من الشركات الكبرى استبدال اعلاناتها بخطابات تحث على الكراهية والإرهاب وإساءة معاملة الأطفال، وعدت الشركة بالعمل على حلها، لكن هل يعتبر ذلك كافيا؟

وعد مارك زوكربيرغ  في ايار من العام الحالي، بإضافة 3 الأف موظف الى العدد الحالي البالغ 4 الأف موظف، بهدف مراجعة المحتوى المنشور وخاصة بعد بث جرائم القتل والاغتصاب الجماعي، الا أن ذلك يعني تعيين شخص واحد لمراقبة 250 ألف مستخدم، في ظل وجود 2 مليار مستخدم لـ فيسبوك وذلك يعتبر جهد متواضع في سبيل مراقبة نمو المحتوى غير الأخلاقي والأخبار الوهمية.

ومن أجل ان تقبل شركات التكنولوجيا دورها كناشرين في العصر الرقمي، عليها أن تستفيد من مجموعة الصحفيين المهنيين الذين شردتهم ثورة المعلومات، خاصة وأنها قادرة ماليا على فعل ذلك، حيث بلغت قيمة فيسبوك لعام 2017، 400 مليار دولار وجوجل أكثر من 600 مليار دولار.

وفي الوقت الذي يرحب فيه واضعو السياسات وشركات التكنولوجيا بالتطورات الحاصلة في هذا المجال، يسيطر سياسيون على مواقع التواصل الاجتماعي ونشروا أخبارا مزيفة مليئة بالكذب لتقويض الديمقراطية والتدخل في الانتخابات.

وحذر تيم بيرنر لي، مخترع الشبكة العالمية، من سيطرة الحكومات والشركات الرقمية على الانترنت واستغلالها لخصوصيات الناس. ما ساهم في لفت الأنظار إلى التهديدات التي تفرضها تسويق المعلومات الكاذبة في السياسة، حيث تعتبر هذه المنصات غير أخلاقية في استخدامها لتقنيات متطورة لتعزيز الإعلان السياسي على الانترنت وتوجيه الناخبين الى مواقع إخبارية وهمية.

كتب تيم بيرنز لي في رسالة مفتوحة بتاريخ 12-3-2017 "في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية عام 2016، ما يقارب 50 ألف نوع من الإعلانات نُشر على صفحات فيسبوك يومياً، وهو أمر شبه مستحيل مراقبته، ومنها إعلانات سياسية استخدمت طرق غير أخلاقية لتوجيه الناخبين إلى مواقع إخبارية مزيفة، فهل هذا ديمقراطي؟!".

ويضيف بيرنز "عشية الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أيار 2017 نشر قراصنة الانترنت الالاف من ملفات البريد الالكترونية السرية بشأن ايمانويل ماكرون، ومعظمها وهمية مزيفة، لكنها انتشرت وبشكل واسع عبر وسائل الإعلام الاجتماعية، ولم يتمكن الصحفيون من التحقق منها، لأن القانون الفرنسي يحظر النقاشات العامة حول الانتخابات في الساعات الأخيرة ما قبل التصويت".

ومع تزايد الأدلة على التدخل في العملية الديمقراطية، أصبح من المهم الكشف عن الأخبار المزيفة والقضاء عليها، لكن التنفيذ مشوش بمفهوم هذه الظاهر وأصولها ولماذا تشكل تهديداً في المقام الأول. ولذلك قدمت شبكة الصحافة الأخلاقية تعريفاً لها :

"أخبار وهمية: معلومات ملفقة عمداً ونشرت بقصد خداع وتضليل الأخرين وجعلهم يصدقون الأكاذيب ويشككون في الحقائق. وباستخدام مفهوم هذا المصطلح يصبح من السهل تمييز العمل الصحافي المهني عن الدعاية والأكاذيب والحقائق البديلة".

يمكن أن تخطـئ التقارير الإخبارية، لكن الصحافة الأخلاقية تعترف بتلك الأخطاء وتتحملها، وذلك لأنها تستند الى الواقع ولها أهداف مدنية، كما أنها توفر خريطة طريق لبناء فضاء إعلامي آمن وموثوق به.

تحقق

تحقق