صحف ورقية " تهجر" تقاليد نشر الاعلانات على وقع أزماتها المالية

أكيد - آية الخوالدة

يفرض المعلن شروطه على صفحات الصحف الورقية اليومية، مستثمرا مجموعة من العوائق التي ساهمت في تراجع الصحافة الورقية بشكل عام وأجبرتها على الخروج عن تقاليد راسخة كان يعتبر تجاوزها من "المحرمات المهنية".  

ورغم أن تقاليد نشر الاعلان في الصحف منذ عقود كانت تشترط عدم دفن المادة الصحفية بين اعلانين، او وضع اعلان فوق المادة الصحفية، الا أن الصفحات الأولى في صحف يومية أردنية تجاوزت هذا الامر، لتقع عين القاريء على الاعلان أولا رغم أهمية الاخبار التي تدفن تحتها.

 القبول بشروط المعلن، يأتي على وقع أزمات مالية تشهدها صحف ورقية يومية في الاردن، بسبب عوامل عديدة أهمها انتشار الصحافة الالكترونية وتراجع الأوضاع الاقتصادية وبالتالي تراجع الاعلان، وارتفاع أسعار الورق عالميا، الى جانب غياب التنافس المهني على استقطاب القراء.

وتابع مرصد مصداقية الإعلام الأردني "أكيد" مجموعة من الأعداد الورقية للصحف اليومية وخاصة الصفحة الأولى، حيث لم تلتزم بعض الصحف بالتمييز بين القسم المخصص للإعلانات وذلك القسم المخصص للأخبار وعناوينها، حيث اختلطت ببعضها البعض لدرجة أن بعض الإعلانات نُشرت فوق عناوين الأخبار.

وأعتبر الكاتب ورئيس تحرير صحيفة العرب اليوم سابقا، طاهر العدوان أن ما يحصل "مخالفة مهنية"، وقال لـ "أكيد"، "نشر الاعلانات بهذا الشكل لا يعتبر مهنيا، حيث يجب الفصل ما بين الأخبار والإعلانات، والتمييز بين الخبر الإعلاني والتحريري, والأخبار المدفوعة الأجر أيضا".

وأضاف "منذ عدة سنوات لم يعد هناك أية ضوابط فيما يتعلق بالإعلانات في الصحف، أو تقيًد بمكان نشرها وذلك بسبب المنافسة الشديدة بين الصحف، اذ تلغي بعض الصحف الصفحة الأولى بالكامل من أجل إعلان تغلف به الصحيفة، وهذا سببه بكل بساطة بحثها عن أموال لتغطية المصاريف والتكاليف المترتبة عليها".

ووفقا لـ"العدوان"، فقد أصبحت الإعلانات "رخيصة جدا" نتيجة التنافس، فهبطت الأسعار بشكل غير مسبوق وأصبح التنافس على مكان نشر الاعلان في أي صفحة وأي زاوية، دون احترام للقارئ والمهنة.

"الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها الصحف، لا تعتبر مبررا لذلك"،  بحسب العدوان الذي يؤكد "تدهور وضع الصحافة الورقية الأردنية وأوضاع الصحافيين والمؤسسات الصحافية، في ظل تراكم الديون والأعباء المادية وضغط المنافسة الخارجية من المواقع الإلكترونية وشبكات الانترنت والتلفزيون".

وحول السياسة الإعلانية التي تتبعها صحيفة "الغد" اليومية، بين مدير الإعلانات في الصحيفة ثابت عبيدات ل"أكيد"، أن هناك خطوطا ثابتة مٌتبعة فيما يخص الإعلانات وخاصة في الصفحة الأولى، حيث لا يتجاوز الاعلان بأي شكل من الأشكال نصف الصفحة، كونها في العادة تنشر أخبارا سياسية هامة ، وبالتالي تضطر الصحيفة أحيانا إلى إلغاء بعض الإعلانات.

وأكد عبيدات أن توزيع الاعلانات يتم بالتعاون مع قسم التحرير في الصحيفة، موضحا "حينما نلجأ الى إلغاء الإعلانات، نتواصل مع الجهة المعلنة او الوكيل من أجل تأجيلها ليوم أخر او نشرها في الصفحات الداخلية، والاعلانات المنشورة في الصفحة الاولى عبارة عن 25 سم ارتفاع وعرضها 8 عمود ولا يوجد إطلاقا اي اعلانات فوق الخبر".

من جانبه، أشار رئيس تحرير صحيفة الدستور محمد التل ل"أكيد" إلى أن الإعلانات الموجودة في الصفحة الاولى تنشر في العادة في الجزء السفلي من الصفحة والاعلانات ذات الشكل الطولي في الجزء الأعلى، حيث يطلب المعلنين نشرها بهذا الشكل، ومدفوع ثمنها بناء على هذا الأساس.

بدوره أوضح مدير قسم العربي والدولي في صحيفة الرأي ومسؤول الصفحة الأولى عامر القرالة ل"أكيد"، "ان الاعلانات على الصفحة الأولى تنشر بحسب طلب المعلن سواء على يمين الصفحة أو يسارها، وبعض الشركات مثل شركات السياحة والسفر تفضل إعلان الراسية أي الذي يوضع في رأس الصفحة، وهناك اعلانات محجوزة دائما في ترويسة الصفحة وذلك ليس محصورا فقط في الصحف المحلية وانما العربية والعالمية".

"وفي حال وجود كمية من الاخبار المهمة والضرورية في الصفحة الاولى، تقوم إدارة التحرير بإلغاء وتأجيل العديد من الاعلانات بالتعاون مع المعلنين"، وفقا للقرالة الذي أكد "وجود التنسيق ما بين قسم الإعلانات وادارة التحرير من خلال اجتماع يومي لمعرفة حجم الاعلانات، والتي أعتبرها مهمة للغاية وخاصة ما ينشر في الصفحة الأولى كونها مربحة ومدرة للمال".

وفي حديث مع سوق الاعلان الاردني الذي لا يوجد دراسات حديثة وموثقة حول حجمه، أكدت مديرة التسويق في شركة البؤرة للدعاية والاعلان إيناس أبو شهاب ل"أكيد"، ان "طلبات المعلنين للإعلان في الصحف تراجعت كثيرا، حيث أصبحوا يتجهون نحو الإعلان على منصات التواصل الاجتماعي وبالأخص فايسبوك، ولم يبق سوى قلة من المعلنين الذين يتجهون للصحف ومنهم شركات الاتصالات والأغذية والإلكترونيات".

 وبررت أبو شهاب هذا العزوف، "نتيجة امتلاك معظم العملاء لصفحات عامة وخاصة على الفايسبوك التي اعتبروها تصل الى المستهلك بشكل أسرع".

فيما يخص الإعلانات المنشورة في الصحف وأماكن نشرها، قالت أبو شهاب "ليس بمقدرة جميع العملاء النشر على الصفحة الأولى، كون أسعارها مرتفعة للغاية، وليس صحيحا أنها أصبحت رخيصة، فما تقوم به الصحيفة هو تقديم عروض تشمل عددا من الإعلانات المجانية أو خصم عليها في حال نشر المعلن في الصفحة الأولى".

وأضافت "في معظم الحالات يطلب المعلن مكانا محددا وبالأخص في أعلى شمال الصفحة، بما أن اتجاه اللغة بالعربية، تراها العين مباشرة، بالإضافة الى الصفحة الثالثة، كونها مهمة في مجال الاعلانات أيضا".

ولا تذكر أبو شهاب خلال فترة عملها في هذا المجال "رفض أي صحيفة لنشر اعلان في مكان محدد، الا إذا كانت الصفحة محجوزة بالكامل، وبالتالي يطلبون تأجيل الإعلان ليوم أخر".

من جهته أكد مدير التسويق في الوكالة العامة للتسويق محمود العبادي ل"أكيد"، أن "الاعلانات في الصحف تراجعت بنسبة 50% في ظل تفضيل العملاء لنشر اعلاناتهم على صفحات الفايسبوك، بينما الشركات صاحبة الميزانيات الضخمة بقيت تنشر في الصحف".

ووفقا للعبادي، "يتحدد مكان نشر الاعلان وفقا لرغبة المعلن وميزانيته، فمثلا أسعار الاعلان في الصفحة الأولى والثانية والثالثة والأخيرة محددة ثابتة ومرتفعة، بينما أسعار الصفحات الداخلية متفاوتة حسب اللون، كما أن المعلن في حال طلب نشرها في صفحة داخلية محددة أو مكان معين مثل قسم الاقتصاد أو العقارات سيتحمل زيادة 50% على سعر الاعلان الأصلي".

وسبق للعديد من الصحف أن رفضت نشر إعلانات على الصفحة الأولى وطلبت تأجيلها - بحسب العبادي - نظرا لكثرة الأخبار والمواد التحريرية في ذلك اليوم.

وتُعتبر الموضوعية من أهم المعايير التي تحكم المهنية الأخلاقية في المواد الصحافية ومن مؤشراتها الفصل بين الأخبار والمواد الإعلانية، حيث طور مرصد مصداقية الإعلام الأردني "أكيد" مؤشرات لقياس الخلط بين الخبر والإعلان، تعطي توضيحا لكيفية تحول القيمة الإخبارية إلى مادة إعلانية.

كما أن نشر الإعلانات في الصحف على أنها مادة تحريرية من شأنه تشويش القارئ الذي لن يستطيع التمييز بين المادة المنشورة في الصحف للتسويق لسلعة أو لمسؤول، والمادة الإخبارية التي يفترض أن تكون مستندة إلى الحقيقة وتحري الدقة في النشر.

وبالعودة إلى ميثاق الشرف الصحفي لنقابة الصحفيين في مادته السابعة عشرة فانه ينص على "لا يجوز الخلط بين المادة الإعلانية والمادة التحريرية، ولا بد أن تتضح التفرقة بين الرأي والإعلان، فلا تندس على القارئ آراء وأفكار سياسية ودعائية في صورة مواد تحريرية".

تحقق

تحقق