وسائل إعلام تنشر تحريضاً على القتل وتنفض الغبار عن عرف بائد

أكيد  وصفي الخشمان

نفضت مواقع إخبارية الغبار عن مصطلح "التشميس" في العرف العشائري، وأعادت له الروح بنشره بشكل يظهره ممارسة طبيعية في دولة أعلنت إلغاء القوانين العشائرية قبل أربعين عاماً.

وتناقلت تلك المواقع بكثافة منشوراً تفاعلياً منسوباً لشقيق قتيلٍ في ما يعرف بحادثة الرصيفة، أعلن فيه "القصاص" و"التشميس" لثلاثة مشتبه بمشاركتهم في قتل شقيقه.

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه هو الشكر الذي وجهه الشقيق للأجهزة الأمنية ومحافظ الزرقاء، قائلاً إنهم عملوا على "فسح المجال لنا لتشميس الزعران الإرهابيين، وعدم أخذ التجديد لعطوة أمنية".

في أخبارها وتقاريرها، اكتفت مواقع إخبارية بما اقتبسته من منشورات شقيق القتيل، وما نقلته عنه من تصريحات لاحقة، وأضاف بعضها خلفية توضح مصطلح "التشميس" دون نسبته إلى مصدر، وكان الغائب الأبرز هو رأي من شكرهم الشقيق وهم الأجهزة الأمنية ومحافظ الزرقاء.

ويشي تناقل أخبار "تشميس" وهدر دم المشتبه بمشاركتهم في الحادثة بغياب الدولة بقوانينها وأجهزتها الأمنية، بحسب ما استنتجه مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) من مقالات وتعليقات لمرتادي منصات التفاعل الاجتماعي.

مرصد (أكيد) بادر بإرسال نسخة من منشور شقيق القتيل، وتغطيات إعلامية تناولته، إلى المقدم عامر السرطاوي الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام، لمعرفة الرد الرسمي حياله، إلا أنه التزم الصمت. كما لم يتسن التواصل مع وزارة الداخلية ومحافظ الزرقاء، على الرغم من محاولات (أكيد) المتكررة.

وببحث سريع عن مصطلح "التشميس" عبر محرك غوغل، نجد أن المصطلح ما يزال مستخدماً بمفهومه العشائري في دول ومناطق تسودها اضطرابات أمنية، وهو غائب عن التداول في الإعلام الأردني منذ عقود.

وسرى في الأردن قانون كان يسمى قانون محاكم العشائر لسنة 1936، قبل أن يلغى في العام 1976، بصدور قانون إلغاء القوانين العشائرية.

ولاحظ مرصد (أكيد) أن هناك خلطاً بين مصطلحي "التشميس" و"نثر الدم"، حيث يعني الأول رفع الغطاء العشائري أو القبلي عن فرد من أفراد العشيرة، بسبب سوء سلوكه أو كثرة ما يتسبب به من مشاكل، في حين يعني الثاني دعوة يطلقها ذوو المجني عليه لهدر دم الجاني أو المتهم، بشكل يتيح لأي شخص أخذ الثأر منه، وهو ما أكده المحامي الدكتور غازي الذنيبات المتخصص في القانون الجنائي.

ووصف الذنيبات المصطلحين بأنهما "رجس من عمل الشيطان"، معبراً عن أسفه لتداول مثل هذه المصطلحات إعلامياً، "في دولة حديثة يفترض أن تكون هي صاحبة السلطان في تطبيق القوانين".

وتابع: "للأسف، سياسة الدولة ترسخ العرف العشائري والقبلي، الذي يعتبر مرحلة بدائية بحسب كل النظريات والمبادئ الفكرية (...) العرف العشائري يصلح في ظل غياب الدولة، وبوجودها يجب أن تنتهي هذه الظواهر".

وزاد القانوني الذي كتب مقالات تخطئ أعرافاً عشائرية: "العرف أو القانون العشائري لا مكان له في عالم متحضر"، وقد تحللت منه دول عربية كانت القبلية متجذرة فيها بشكل أعمق من الأردن.

وانتقد الذنيبات ما اعتبرها هو وقانونيون آخرون "ازدواجية القضاء" في الأردن، قائلاً إنه على الرغم من إلغاء القوانين العشائرية عام 1976، إلا أن الدولة تحرص على تطبيقه أحياناً، بل وتضمين بعض الأعراف في القوانين، مثلما حدث في مشروع قانون معدل لقانون منع الجرائم الذي قصر الجلوة على عائلة المشتبه به، وهو ما رأى فيه الذنيبات "أمراً معيباً بحق الدولة".

 وختم قائلاً إن إعلان التشميس أو نثر الدم بحق مشتبه به "أمر غير قانوني"؛ فالضابطة العدلية هي من يجلب المشتبه به، والقضاء هو الجهة الوحيدة المخولة بإدانة أي متهم وتقرير مصيره، "فكل متهم بريء حتى تثبت إدانته"، وهو ما تجاهلته وسائل إعلام عندما غطت تصريحات شقيق القتيل.

واعتبرت دانا جبريل، وهي صحافية في مجلة حبر الإلكترونية، سبق لها أن أعدت تقارير تتناول الأعراف العشائرية، أن تغطيات إعلامية لمنشور شقيق القتيل "جانبت الصواب".

وشرحت جبريل لـ (أكيد) أن المنشور كان يتضمن "تحريضاً على القتل أو العنف، وإعادة نشره دون إدراج آراء أخرى سلوك خاطئ وغير مهني".

وقالت إن إعادة نشر اقتباس يتضمن مخالفة للقانون يتطلب رداً، "ففي الصحافة ناقل الكفر كافر" بحسب قولها مضيفة أن "مضمون المنشور يستوجب على الصحافي مساءلة الدولة عن هذا التحريض، عبر إعادة المسؤولية إليها".

واستدركت: عدم إجابة الأمن العام أو وزارة الداخلية على استفسار الصحافي لا يبرر عدم إدراج آراء أخرى خصوصاً الجانب القانوني منها.

واعتبرت أن وسائل إعلام "تغافلت" عن إدراج آراء أخرى، كون القضية تحظى بسند أو قوة عشائرية، منتقدة ورود تفسير لمصطلح "التشميس" دون نسبته إلى مصدر، حيث كان يفترض العودة إلى "مرجع عشائري لتفسيره".

ونبهت جبريل إلى تناقض بعض المعالجات الصحافية؛ ففي حين نسبه بعضها إلى شقيق القتيل، ردته وسائل إعلامية إلى قبيلته، متسائلة: هل كان إعلان "التشميس" رأياً جماعياً اتخذته القبيلة كاملة، أم كان رأياً فردياً للشقيق؟ وهو تساؤل كان يفترض بوسائل الإعلام الإجابة عليه، بحسب جبريل.

وبالعودة إلى بيان نسب إلى قبيلة القتيل قبل يوم من نشر تصريحات الشقيق، فقد خلا من أي ذكر لـ "التشميس" أو هدر الدم.

مرصد (أكيد) إذ يشيد بتجاهل صحف يومية ومواقع إخبارية لمنشور شقيق القتيل، فإنه يؤكد أن نشر أخبار تحمل تحريضاً على العنف أو القتل في وسائل الإعلام ممارسة غير مهنية، بحسب المادة الرابعة من ميثاق الشرف الصحافي، ومعايير التحقق من مصداقية وسائل الإعلام ومهنيتها التي يعتمدها المرصد.

وينظر (أكيد) إلى أن حساسية حادثة الرصيفة، وتحولها إلى قضية رأي عام، قد يكون دافعاً معقولاً للالتفات إلى تصريحات شقيق القاتل، لكنه يشدد على أنه كان على وسائل الإعلام التي تناولت المنشور الرجوع إلى مسؤولين أمنيين وخبراء قانونيين ووجهاء عشائريين، لتوضيح المخالفة القانونية في المنشور، وإعلان أسماء المشتبه بهم الثلاثة والتشهير بهم، إضافة إلى توضيح صحة المعلومات الواردة فيه، خصوصاً ما يتعلق بسماح الأجهزة الأمنية بـ "التشميس"، ما يعني كف يدها عن واجبها المناط بها في حماية القانون.

كما ينبه (أكيد) ضرورة أن يكون للإعلام دور في تعزيز مفهوم دولة القانون، وعدم إظهار العرف العشائري نداً أو بديلاً أو مكافئاً للقوانين والأنظمة.

تحقق

تحقق