تأبين أبو علي مصطفى.. الإعلام والسوشيال ميديا يغذيان الجدل ويدفعانه باتجاه خطوط حمراء

أكيد – وصفي الخشمان

"لماذا الآن؟". سؤال يطرحه المتابع، كما يطرحه المشارك، في الجدل الدائر حول تنظيم حزب الوحدة الشعبية الديموقراطي الأردني فعالية لتأبين أبو علي مصطفى الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الذكرى السادسة عشرة لمقتله في غارة إسرائيلية على  مكتبه برام الله.

يقول منظمو الفعالية إن الحزب المتبني لتراث الجبهة الشعبية دأب على إقامة هذه الفعالية سنوياً، دون أن تثير أية ضجة، وهو ما تأكد منه مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) الذي عثر على أخبار تتناول فعالية واحدة على الأقل أقيمت قبل عامين.

معارضو حفل التأبين حشدوا لإلغاء الفعالية كل ما أوتوا من منشورات وتعليقات، قبل أن تحسم وزارة الداخلية الأمر بمنع حفل التأبين، بعد لقاء جمع بين محافظ العاصمة سعد الشهاب والأمين العام للحزب سعيد ذياب.

كالعادة، بدأ التحشيد على منصات التفاعل الاجتماعي باستهجان أطلقه "مؤثرو السوشيال ميديا"، إزاء إقامة تأبين لمن تقلد يوماً منصب القائد العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل وأثناء وبعد أحداث أيلول عام 1970.

أوصاف عدة أطلقت على الرجل الذي ينظر إليه طرف على أنه "مقاوم ومناضل من أجل القضية الفلسطينية"، في حين صنفه طرف آخر على أنه "مفتعل فوضى وقاتل مأجور" و"نظير" لأبي مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي قضى في ضربة أميركية في العراق صيف العام 2006.

المسألة لم تتوقف عند "جدلية" تاريخ الرجل، بل تعدت إلى الإساءة والتخوين المتبادلين بين الأردنيين، واستحضار شابه تشويه لأحداث العنف التي شهدتها المملكة نهاية الستينات بلغت ذروتها في العامين 1970 و1971، اللذين شهدا خروجاً نهائياً للمنظمات الفدائية الفلسطينية من الأردن باتجاه لبنان، الذي ما برح أن اكتوى هو الآخر بنار حرب أهلية استمرت 15 سنة، كانت المنظمات الفلسطينية طرفاً أساسياً في استعارها.

وتابعت وسائل إعلام تداعيات الإعلان عن الفعالية، ومعارضتها، وصولاً إلى إعلان منعها، وتأجيلها لاحقاً.

وسائل إعلام محلية وعربية لم تقف عند حدود نسخ جدل منصات التفاعل الاجتماعي فحسب، بل شاركت في الجدل بنفسها، عبر مزج تقارير صحافية بآراء متحيزة، أو عبر سحب رأي أشخاص يعارضون أو يؤيدون إقامة الفعالية على فئة كاملة في المجتمع.

ولاحظ مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) بوادر خطاب كراهية في منصات التفاعل الاجتماعي، حيث ثارت دعوات تخوينية، فضلاً عن تلوين أيلول تارة بالأبيض وتارة أخرى بالأسود.

الملاحظ أيضاً ضعف المخزون المعرفي عند بعض معلقي "السوشيال ميديا"، ظهر جلياً في الخلط بين أبو علي مصطفى وشخصيات فدائية أخرى، بينهم أبو علي إياد (قيادي فدائي قتل في معارك جرش وعجلون عام 1971).

مرصد (أكيد) تواصل مع شخصيتين كان لهما نصيب من إدارة الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي هما ديما علم فراج، وهي إعلامية وناشطة على منصات التفاعل الاجتماعي، والدكتور فاخر دعاس عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية.

وكتبت فراج التي يتابع صفحاتها التفاعلية على منصتي فيسبوك وتويتر زهاء 360 ألفاً يوم 3 أيلول الحالي منشوراً تحدث عن "تعرية" حزب الوحدة الشعبية، وإعلانه إقامة "مهرجان سنوي لقاتل مأجور"، مطالبة بوقف صرف الدعم الحكومي السنوي البالغة قيمته 50 ألف دينار لهذا الحزب "غير أردني الانتماء".

ولعل ما أثار حفيظة كثيرين، بحسب ما رصده (أكيد)، ربط فراج بين أبو علي مصطفى والزرقاوي، وهو ما دافعت عنه بقولها إن "كلا الرجلين، بصرف النظر عن أصولهما، عملا ضد الدولة الأردنية في مرحلة ما، وتسببت أعمالهما في مقتل أردنيين".

واستهجنت فراج في اتصال هاتفي بـ (أكيد) تفسيرات ذهبت إلى أن منشورها كان موجهاً ضد الأردنيين من أصل فلسطيني، قائلة إن معيار احتفاء الأردنيين بأي شخصية يجب أن يكون ما قدمته للأردن عبر تاريخها. "فليس كل من يقتل بأيدي إسرائيلية أو أمريكية هو شخص يستحق الاحتفاء به"، بحسب تعبيرها.

ووصفت فراج دور معالجات إعلامية بأنها عملت على التحريض، عبر "تقويلي ما لم أقله حول أحداث أيلول"، وساهمت بتغطيتها في تسليط الضوء على الفعالية وصولاً إلى إلغائها.

وأقرت أنها لم تكن تتوقع أن يحدث المنشور صدى بهذا الحجم، متسائلة : "لماذا يراد نسيان جزء من تاريخ أشخاص معينين واستذكار أجزاء أخرى؟ (..) أبو علي مصطفى كان مناضلاً في سبيل قضية فلسطين، واستشهد على أيدي الكيان الصهيوني، أما في الأردن فقد كان مثيراً للفوضى، وتأبينه في الأردن لا تتقبله فئة من الأردنيين"، بحسب رأيها.

وعبرت عن صدمتها من الشتائم والإهانات التي وجهت لها عبر مقالات وصفحات تفاعلية، معتبرة أن هؤلاء الشتامين "أساؤوا لنفسهم وللفكر الذي يدافعون عنه أكثر مما أساؤوا لي".

ورداً على سؤال حول توقيت إثارة القضية على الرغم من أن الفعالية تقام سنوياً، أجابت: "إنه تأثير السوشيال ميديا (..) هم أعلنوا عبر صفحتهم ونحن رددنا وتضخمت القضية".

ورفضت فراج المقارنة بين إلغاء فعالية أبو علي مصطفى وإلغاء حفل تأبين الكاتب ناهض حتر، قائلة إن الأخير "لم تتلطخ يديه بدماء أردنيين".

كما رفضت الربط بين اندلاع خطابات كراهية متتالية ومناسبات مثل ندوة عزوف الأردنيين من أصل فلسطيني التي نظمها النائب طارق خوري، وأحداث الرصيفة وغيرها.، قائلة إن "السوشيال ميديا أظهر افتقارنا لثقافة النقاش والاختلاف (..) فنحن نختلف، ولكن يجب أن يبقى الأردن مظلتنا الوطنية".

على الجانب الآخر المؤيد للفعالية، سرد الدكتور فاخر دعاس على صفحته، التي يتابعها قرابة 9000 شخص، سبع ملاحظات متعلقة بـ "الرفيق" أبو علي مصطفى، وفعالية إحياء ذكراه التي تقام سنوياً، أوضح فيها طريقة استشهاده، وإدانة مجلس الأمن الدولي، وإقامة بيوت عزاء له في عواصم عربية بينها عمان، وتقديم تعاز أردنية رسمية وشعبية.

ووصف دعاس في منشوره الأصوات المعارضة لتنظيم الفعالية بـ "الأصوات التي تنعق عنصرية بغيضة لا تصب إلا في مصلحة العدو الصهيوني"، مشيراً في ختام منشوره إلى أن هناك "من يبث روح التفرقة واستغلال أي حدث وطني أو عروبي لحرف بوصلة الصراع وتسهيل تمرير القرارات الاقتصادية القادمة للحكومة".

وبادر دعاس إلى نشر قصاصات من صحف تبين تعازي القيادة الأردنية وشجب الأردن الرسمي وإدانته لاغتيال أبو علي مصطفى في 27 آب (أغسطس) عام 2001.

وفي اتصال هاتفي بـ (أكيد)، كرر دعاس استهجانه من ردة الفعل "غير الواقعية وغير المفهومة" التي أعقبت الإعلان عن الفعالية التي تقام منذ سنوات.

وربط دعاس "التجييش وإثارة الضجة" حول الفعالية، بما قال إنه "اتجاه داخل الحكومة يعمل على إلغاء كل ما يتعلق بنهج مقاومة العدو الصهيوني، وفي ظل الحديث عن تسويات تلصق صفة الإرهاب بالمقاومة الفلسطينية".

وأضاف أن "رمزية" أبو علي مصطفى ليست شأناً فلسطينياً، إنما هي شأن عربي، رافضاً اعتباره "شخصية جدلية إشكالية"، "فطريقة قتله أسهمت في تجسيده أنموذجاً للمقاومة".

وصنف دعاس مناوئي الاحتفاء بالرجل إلى "فئة جاهلة وغير واعية، انجرت وراء عواطفها"، و"فئة مدفوعة لديها أهداف تتماهى مع الأهداف الصهيونية وتصب في مصلحة العدو، سواء بترتيب مسبق أو دون ترتيب".

واختلف دعاس مع فراج في ربطه بين تأجيج خطاب الكراهية وندوة خوري وأحداث الرصيفة وغيرها، قائلاً إن "هناك من يحاول استغلال أي حدث لإعادة بث النعرات والفرقة (..) إذا كانت الحكومة تقف وراء ذلك لمحاولة تسويق قراراتها الاقتصادية والمشاريع الأميركية في المنطقة، فإنها ستكون مخطئة، لأن تداعيات هذا الفعل وانعكاساته خطيرة على السلم الأهلي في الأردن، أما إذا كان هناك طابور خامس صهيوني، فهذا دور الحكومة والأجهزة الأمنية للتصدي له".

وكانت ندوة نظمها النائب طارق خوري نهاية الشهر الماضي تناولت موضوع عزوف الأردنيين من أصل فلسطيني عن المشاركة في الانتخابات أثارت صراعاً بين رأيين؛ الأول يدعو لتجنب القضايا الحساسة، والآخر يطالب بوضع جميع الملفات على الطاولة.

وبغرض الاستزادة، تواصل مرصد (أكيد) عبر البريد الإلكتروني مع إيدن وايت الصحافي العالمي ورئيس شبكة الصحافة الأخلاقية الذي نبه إلى أن على الصحافيين "عدم فعل ما من شأنه إثارة الكراهية أو تحريض الناس على العنف".

وقال: إن من حق الأشخاص التعبير عن آرائهم، لكن "وسائل الإعلام ليست ملزمة بتزويدهم بمكبر صوت لتضخيم تلك الآراء، إذا كانت قد تؤذي الآخرين".

واتفق وايت مع فراج في أن أبو علي مصطفى هو "شخصية مثيرة للجدل ومعقدة في السياسة الأردنية، وبالتأكيد هناك أفراد وجماعات ستختطف إرثه لصالح أغراضهم السياسية الخاصة".

واستدرك وايت قائلاً: "ينبغي أن يكون دور وسائل الإعلام بمثابة منصة لمناقشة دوره (ابو علي مصطفى)، دون السماح بأن يصبح النقاش مسموماً، وهذا مثال جيد لوسائل الإعلام التي يتطلب منها تسليط الضوء أكثر من الإثارة، من خلال ضمان أن تركز التغطية على المعلومات المختلفة التي يمكن التحقق منها، على أن لا تكون تلك الآراء مسيئة أو مصممة للإساءة".

كما نبه إلى أهمية إتاحة المجال أمام مختلف الآراء "ذات الصلة" بالتعبير عن رأيها، بمن فيهم الأصوات غير الحزبية، والحرص على الاستماع إلى أصوات قادة لقطاعات أخرى في المجتمع المدني خارج نطاق الجيش أو النخب السياسية، مع الابتعاد عن نقل آراء مجموعات هامشية أو متطرفة.

وختم وايت بقوله: بصرف النظر عمن تُقتبس آراؤه، يجب على الصحافي التأكد من أن لغة الخطاب متوازنة وتبتعد عن الاستفزاز غير الضروري. قد يكون مفيداً إدراج خلفية توضح للمتلقين الاتجاه التحريري، حيث إن على الإعلام مسؤولية عامة لحل الخلاف، وتعزيز الحوار، وعدم التحريض على العنف.

مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) وجد أن سلوك وسائل إعلام قد جاوز وظيفة الإخبار عن الحدث وتفسيره، وأسهم في زيادة اللغط حوله، كما نقل محتوى غير صحيح، واندفع وراء منصات التفاعل الاجتماعي باتجاه حدوث انقسام مجتمعي حول حدث لم يكن يثير هذا الحجم من الضجة سابقاً.

إن منظور الصحافة المسؤولة يدفع باتجاه التقليل من نقاط التوتر السياسي والثقافي المرتبط بالقواعد الشعبية، ويدعو وسائل الإعلام إلى الالتزام بالقواعد المهنية وعدم الانجرار إلى بناء أجندات لا تتفق مع الصالح العام؛ فالمعيار الأساس للنشر في القضايا الشبيهة بقضية أبو علي مصطفى هو القيمة الإخبارية والصالح العام.

تحقق

تحقق