تدفُّق "التصريحات" يُربِك وسائل الإعلام ... ومواكبتها ضرورة مهنيّة

أكيد – مجدي القسوس

 

تصريحاتٌ كثيرةٌ أغرقت الإعلام المحليّ في الأيّام الأخيرة، تناولت في معظمها جائحة "كورونا"، والوضع الوبائيّ، وحالة القطاع الصحيّ في الأردن، وأظهرت تلك التصريحات تضارُبًا ساقَ حالةً من الجدل بين المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى حدّ اعتبره البعض "فوضى" قادت إلى حالة من التناقض.

الجانب الآخر للتصريحات الكثيرة، كان "الأثر النفسيّ" على المواطنين؛ باعتبار الحالة الوبائيّة في المملكة هي أبرز ما يتابعه المواطن حاليًّا، ومدى تأثيرها على النمط المعيشيّ اليوميّ.

وتناولت وسائل الإعلام مواد عدّة، بتصريحات من مصادر مختلفة، أظهرت في مجملها تضاربًا قاد في كل مرّة إلى تفسيرها لاحقًا من قبل مصادر أخرى، أبرزها الحديث عن ذروة التفشّي المجتمعي لفيروس "كورونا" وقول  د. سعد الخرابشة رئيس لجنة التقييم الوبائي إنّ المؤشرات الحاليّة لا تدل على قرب ذروة انتشار كورونا في المملكة، ليعود وزير الصحة د. نذير عبيدات، لاحقاً، لتوضيح قول الخرابشة بأنّ وصولنا إلى المرحلة الرابعة مستقبلًا يعني ذروة الإصابات المتوقعة في الأردن، ولا يعني أننا في الذروة الآن.

وقال عضو لجنة المركز الوطني للسيطرة على الأوبئة والأمراض السارية، عزمي محافظة، إنّ "إجمالي الإصابات في الأردن حاليًا أكثر من مليون إصابة بالفيروس، أغلبها غير مُكتَشف"، في حين قال عبيدات إنّ تصريحات محافظة، تعني أنّ العدد المتوقع من الإصابات بفيروس "كوورنا" المستجدّ، منذ بدء الجائحة قد تصل إلى مليون إصابة، ولا يعني أنّ لدينا الآن مليون مصاب ومصابة".

وقال عبيدات في تصريحات صحفيّة إنّ ما يصدر عن خبراء في الطب والصحة “لا تُفهم بطريقة صحيحة، وإنّ ما يصدر عن الجهات الرسميّة ووزارة الصحة هو الحقيقيّ، وما عدا ذلك يُفهم بطريقة خاطئة”، لافتًا الانتباه إلى أنّ تصريحات الخبراء الطبيّين والصحيّين" يجب أن تُفهم في سياقها الصحيح، وأن لا داعي للهلع والخوف، مُعرِبًا عن اعتقاده بأنّ الخطأ ليس في التصريحات المنسوبة للخبراء، وإنَّما بفهم سياق تلك التصريحات.

ومن الأخبار التي تداولها رُوّاد مواقع التواصل الاجتماعيّ نقلاً عن ما أسموه "مصادر مطلعة، مصادر رسميّة" نيّة الحكومة فرض الحظر الشامل لمدّة أسبوعين أو لمدّة شهر كامل، وعدد من الإجراءات المرتبطة بالحظر الذكيّ، والتي نفتها الحكومة عبر عدد من التصريحات جُملةً وتفصيلاً، مؤكّدة أنّه، حتى اللحظة، لا توجد إجراءات أو قرارات بشأن الحظر الشامل.

كلّ تلك الأخبار أفضت إلى حالة من القلق والتوتّر، شهدتها مواقع التواصل الاجتماعيّ، حيال تطوّرات الأيّام القادمة، وقدرة الدولة على توفير الأمن الصحيّ للمواطنين، وعدم التأثير على الوضع المعيشيّ لهم، ويرى "أكيد" أنّ معالجة الأثر النفسيّ لتلك التصريحات يُعدُّ اليوم مسؤوليّة جديدة ينبغي على وسائل الإعلام مواكبتها لخدمة المصلحة العامة.

ويقول الأستاذ يحيى شقير، المختصّ بالأخلاقيات والتشريعات الإعلامية لـ"أكيد" إنّ مسؤوليّة الإعلام تتمثّل بنقل المعلومات بدقّة وموضوعيّة، وإعطاء فرصة للطرف الآخر، وأن تُقابل تلك التصريحات حقائق ودراسات صادرة عن خبراء ومراكز للدراسات العالميّة باعتبارها مصدر تحقُّق رئيس للمعلومات، وأن لا تكون مهمّة الإعلام فقط ضخّ تلك التصريحات، التي قد تكون غير مبنيّة على حقائق علميّة.

ويؤكد شقير أنّ العبء هُنا لا يقع على وسائل الإعلام، بل على الحكومات نفسها التي يتوجّب عليها أن تضبط تصريحاتها وأن تعتمد فيها معلومات دقيقة، وأنّ على وسائل الإعلام أن تأخذ القصّة من الأطراف كافة، انطلاقًا من مبدأ التعدّديّة الذي يُعدّ معيارًا أساسيًّا لمهنيّة الأداء الإعلامي.

يقول الأستاذ خالد القضاة، عضو نقابة الصحفيّين، إنّ مواجهة المسؤولين بتصريحاتهم وطرح الأسئلة عليهم بشكل مباشر والحصول على إجابات واضحة هي مسؤوليّة وسائل الإعلام، انطلاقًا من الدور الحقيقيّ لها المتمثّل بمراقبة السلطة وعدم إفساح المجال للتصريحات التي تبثّ الرعب أو الهلع او الطمأنينة "غير الحقيقية" للمواطنين.

ويضيف القضاة أنّ "كورونا" وتماسّها المباشر مع حياة الناس وأرزاقهم، ليست قضيّة ثقافية، وإنَّما حالة وبائيّة لا تستلزم لغط المعلومات، ويجب أن تعتمد على حقائق ومعلومات وأرقام ووعود ثابتة يجب مواكبتها.

ويؤكد القضاة أنّ على وسائل الإعلام تجنُّب المقابلات التلفزيونيّة والصحفيّة "الفارغة"، والتركيز على أهميّة أن تحتوي المقابلة مع أيّ مختصّ معلومات تُجيب عمّا هو في أذهان الناس، وتواجه المصادر بتصريحاتهم الحاليّة ومقارنتها بتصريحاتهم السابقة، وتصريحات الآخرين، من مبدأ مواكبة تلك التصريحات ومتابعتها حتى لا يكون الإعلام شريكًا بالأخطاء وإثارة الرأي العام، في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن تصريحًا حكوميًّا مسؤولاً ومتناسقًا ومُقنِعاً.

ويبيّن القضاة أهميّة غرف الإعداد في وسائل الإعلام؛ ودورها في متابعة التصريحات الصادرة، وما ورد فيها من معلومات وإخضاعها للتحقُّق قبل نشرها، ومعالجتها بعدد من النماذج الصحفيّة كالتحقيقات، والتقارير، والمتابعة من المحافظات.

وأشار "أكيد" في تقريرٍ سابقٍ إلى مقترحٍ لإعادة النّظر في التغطية الإعلاميّة لفيروس "كورونا"، ودور وسائل الإعلام بالتقليل من نشر التغطيات والأخبار المتعلّقة بالفيروس المستجدّ؛ والاستعاضة عنها بتغطيات أقلّ عدداً لكن بقيمة توعويّة أكبر، بالإضافة إلى تقريرٍ تناول فيه مجموعة من النّصائح لحماية الصحّة العقليّة والنّفسيّة خلال أزمة "كورونا".

 

تحقق

تحقق