"مصنع العقبة": خطاب كراهية ومخالفات مهنيّة في وسائل إعلام

أكيد – مجدي القسوس

أثار ظهور إصابات بفيروس "كورونا" في "أحد مصانع العقبة" جدلاً واسعًا منذ بدء الإعلان عنها صباح يوم أمس، قاد ذلك إلى جُملة من التغطيات الإعلامية لحقتها سلسلة من التصريحات في عددٍ منها "خطاب كراهية" ضد العمالة الوافدة العاملة في "المصنع".

وتناقلت وسائل إعلام، جملةً من التصريحات جاء فيها:  لا أردنيين بين مصابي مصنع الألبسة في العقبة، وإنَّ الإصابات محصورة فقط بين العاملين الأجانب، وأن لا اختلاط لهم مع أبناء المجتمع المحليّ، وأن هؤلاء العاملين يقطنون سكنات داخل أسوار مغلقة بعيدة عن مدينة العقبة.

تقول الأستاذة بيان التل، مستشارة التربية الإعلاميّة والمعلوماتيّة في معهد الإعلام الأردنيّ، إنّ هذه التصريحات غير مقبولة في مجتمع يتكوّن من جنسيّات مختلفة، باعتبارها تصريحات عنصريّة تهدف إلى إقصاء تلك الفئة ومهاجمتها والانتقاص من كرامتها، وقد تقود إلى خطاب كراهية، مشيرة إلى أنّ فيروس "كورونا" بات وباءً دوليًّا والجميع معرَّض للإصابة به، وغير محصور بفئة معيّنة، وعلينا أن نتعامل مع المصاب كـ"إنسان" بصرف النظر عن جنسه أو جنسيته أو عرقه أو دينه، تقديرًا لمبدأ الخصوصيّة واحترام الكرامة الإنسانيّة.

وتضيف التل أنّ التصريحات يجب أن تكون مدروسة ودقيقة لا تحمل في طيّاتها إثارة للعنصريّة، أو تؤدي إلى الإساءة والتجريح، وعلى صاحبها أن يكون أكثر وعيًا لمدى الضرر الذي قد يلحق بالأفراد الذين تتناولهم تلك التصريحات.

الإساءة تتصدّر مواقع التواصل الاجتماعي

وأضفت تلك التصريحات نوعًا من التعليقات بحق العمالة الوافدة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصةٍ بعد تداول فيديوهات لاشتباكات أمنية تبيَّن أنها لا تعود للقضيّة المذكورة، وصلت إلى حد الإساءة لهم ولكرامتهم والتنمُّر عليهم، تنحدر في مجملها إلى خطاب كراهية تحريضي ضدّهم، فنقرأ تعليقات منها: "سفروهم"، "احفروا حفرة وادفنوهم"، وغيرها، مقابل أصواتٍ استثنائيّة رفضت التعميم على شعوب بأكملها.

وتقول التلّ إنه من الضروري اليوم توفير التوعيّة لكافة المواطنين بمفاهيم التربية الإعلاميّة والمعلوماتيّة التي تساعد في فهم وتحديد ما يُعدّ عنصرّيّة وتحريضاً وخطاب كراهية، لتجنُّب التجريح والإساءة بحق الآخرين، وتطبيق ذلك عمليًّا في تعاملنا مع مواقع التواصل الاجتماعي.

مخالفات أخلاقيّة في وسائل إعلام محليّة

ورصد "أكيد" بعض المواد الإعلاميّة التي تناولت القضيّة، وتضمَّنت مخالفات مهنية وأخلاقية، عزَّزت من إثارة العنصريّة بين مكوّنات المجتمع والعمالة الوافدة.

وفي مقابلة تلفزيونيّة أجرتها وسيلة إعلام محليّة طرح المذيع سؤالاً حول جنسيّات العمالة الوافدة، وهو ما يُعدّ سؤالاً يغذّي العنصريّة أكثر، ليأتي الردّ لاحقًا بأنّ معظمهم من "بنغلادش" وهو ما تناقلته وسائل إعلام أخرى بمواد عَنوَنَت إحداها بـ"ما هي جنسية العمّال المصابين بكورونا؟؟!" ذكرت فيها جنسيّات أخرى لـ"جميع المصابين"، على حدّ قولها، إذ يُشكّل ذلك انتهاكًا للقانون الذي منع وسائل الإعلام من "نشر كل ما يسيء لكرامة الناس، ويحطّ من مكانتهم، أو يثير النعرات العنصريّة أو الدينيّة أو الطائفيّة".

وأعاد المذيع ضمن المقابلة طلب التأكيد على أن لا إصابات بين الأردنيّين بقوله: "أهمّ شي ما في إصابات بين الأردنيّين"، وهو ما اعتبره "الأهمّ"، مُنتقِصًا بذلك من حق العمالة الأجنبيّة من الرعاية الصحيّة.

ويُعدّ ذكر جنسيّة الأفراد المصابين أو المخالطين لهم مخالفة مهنيّة وأخلاقيّة لأداء الإعلاميّ أو الوسيلة ذاتها، لأنّ إبراز الجنسيّة لا يحمل أيّة قيمة خبريّة في حال ذكرها، ويمكن أن يكون مسؤولاً عن استثارة ردود فعلٍ سلبيّة.

وتدعو التلّ إلى تنظيم حملات ضد العنصريّة وخطاب الكراهية، كجزء من المسؤولية الاجتماعيّة والأخلاقيّة للمؤسّسات، تؤكد من خلالها أهميّة تحمل المسؤوليّة في التصدّي لتلك الممارسات.

 

معلومات غير دقيقة في وسائل إعلام

ذكرت وسائل إعلام أنّ إصابات "كورونا" ظهرت بين عاملين في مصنع واحد في العقبة، وهو ما يُعدّ معلومة غير دقيقة، إذ ظهرت الإصابات، في مصنعين يقعان ضمن نطاق سلطة منطقة العقبة الاقتصاديّة الخاصّة، وليس واحدًا، وأنّ الفحوصات التي أجريت مؤخرًا شملت "2400 عامل أجنبيّ في هذين المصنعين".

وتناقلت وسائل إعلام محور عدم وجود عاملين أردنيّين في المصنع بشكل غير دقيق، إذ ذكرت أن "لا عاملين أردنيّين في المصنع"، وهو ما يُعدّ معلومة غير دقيقة، تقود إلى تضليل المتلقي، إذ أشار تنويه صادر عن سلطة منطقة العقبة الاقتصاديّة الخاصّة إلى أنّ العمالة الأردنيّة داخل المصنع تم إعطاؤها إجازات مدفوعة الراتب منذ فترة وقبل ظهور الإصابات.

ونشرت وسيلة إعلام مادّة أدرجت ضمنها تقريرًا، نقلاً عن التلفزيون الأردنيّ، قالت فيها إنّ التقرير "يُثبت أنّ المصنع ينتج الكمامات"، وهو ما تحقَّق منه "أكيد" وتبيَّن عدم دقته، إذ تعود المشاهد التي تضمّنها التقرير والتي تمّ الإشارة إلى أنها "أرشيفية"، إلى تقريرٍ أعدّه التلفزيون الأردني في شهر آذار الماضي يتحدّث عن "لفتة إنسانيّة" من عمّال المصنع هدفت إلى إنتاج "1500 كمامة" لدعم السوق الأردني "دون أجرٍ وبلا مقابل".

ونشرت وسيلة إعلام أخرى مادّة، نقلاً عن مراسلتها في منطقة العقبة، قالت فيها إنّ "المصنع يزوّد المصانع المحيطة بالكمامات التي تُصنع للوقاية من فيروس كورونا المستجد"، وهو ما تمّ نفيه جملة وتفصيلاً، على لسان مصدر رسميّ، وذُكر في التنوية الصادر عن السلطة بأنّ "المصنع قام في بداية الجائحة بتصنيع عدد معين من الكمامات كتبرع للحكومة الأردنيّة لصالح إحدى الشركات، وبعد الانتهاء وقبل 6 شهور على الأقلّ، عاد لاستكمال خطوط إنتاجه كمصنع للألبسة يتمّ تصديرها للأسواق الخارجية وليس للأسواق المحلية."

ويشير "أكيد" إلى ضرورة أن تتجنَّب وسائل الإعلام تبنّي التصريحات التي تحمل خطابًا تمييزيًّا أو تشجّع على الفرقة بين مكوّنات المجتمع الواحد، بأخذ المعلومات التي تخدم المصلحة العامة فقط؛ لتجنُّب الإشارة المؤذية والمسيئة لعرق الشخص، أو لونه، أو دينه، أو جنسه، أو أصله، وعدم إثارة النعرات الطائفيّة، أو العنصريّة، وعدم الإساءة إلى قيم المجتمع.

تحقق

تحقق