زوايا الأخبار القصيرة في الصحف: هل هي مساحة للمصادر المجهولة والهروب من المعايير المهنية؟

أكيد – أنور الزيادات

تحاول صحف يومية ورقية الهروب من "وقارها" والمعايير المهنية القاسية للأخبار والمحتوى الصحفي، الى مساحة صغيرة للتعامل مع مجموعة من الاخبار القصيرة التي ينقصها في العادة عناصر أساسية تحول دون نشرها بين ثنايا الصفحات المحلية، كغيرها من الأخبار.

 ورغم أن هذه الاخبار القصيرة تخضع ل"عين الرقيب" شأنها شأن أي كلمة في الصحيفة، الا ان مثل هذه الزاوية تمكنت مع الوقت من صناعة شخصية محددة لها، جعلت القراء والمختصين يحاكمونها باعتبارها جزء منفصل عن الصحيفة ويعتادون على كونها أخبار "لايت"، كما يطلق عليها صحافيون، وهذا النمط من الأخبار موجود في تقاليد العديد من الصحف وليس محصورا على الصحافة الأردنية، بدأته الصحافة اللبنانية والصحافة العربية الدولية.

أغلب هذه الزوايا مجهولة الكاتب بالنسبة للقراء والمتابعين، اما مصادرها  فهي عادة مصادر مجهولة او مبهمة ، تحمل أحيانا  تعبيرات لا يمكن تفسيرها إخباريا، وابرز هذه الزاوية في الصحف المحلية "عين الرأي" في صحيفة الرأي، "الصنارة" في صحيفة الدستور، "زواريب" في صحيفة الغد، و "بس لا تحكي لحدا" في الأنباط، "خفايا" في صحيفة السبيل التي تختفي أحيانا عن الموقع الإلكتروني وتبقى على الصفحات الورقية.

 وتخصص مواقع الكترونية مثل هذه الزاوية لنشر معلومات وأخبار غير مكتملة تتصف بالقصر في زوايا معينة تحمل في العادة معلومات مبهمة ذات أهمية حول الشأن المحلي وتغطي السياسة والاقتصاد والشخصيات العامة، لكن يصعب الحصول عليها من مصادر معرّفة، وتوصف هذه الزوايا احيانا بانها صحافة النميمة.

وتنشر في هذه الزوايا الأخبار الخفيفة الجذابة معلومات على صيغة خبرية يتراوح عدد كلماتها (من 15 كلمة الى 70) كلمة ، في الغالب لا تجيب عن الاسئلة الصحفية وهي :ماذا، من، اين، متى، لماذا (والاجابة على هذه الأسئلة في كل خبر قاعدة اساسية).

مرصد مصداقية الأعلام الأردني (أكيد) أجرى رصدا لنماذج مما ينشر في هذه الابواب "الزوايا " ومن هذه الامثلة:

 الانباط: "رصدت عين "لا تحكي لحدا" أمس رئيس وزراء سابق و10 أعيان مع رجلي اعمال في أحد مطاعم عمان الغربية الراقية على مأدبة غداء حيث كانت تحيط بهم حراسة مشددة خوفا من التصوير، على ما يبدو، وحسب مشاهدات "لا تحكي لحدا" جرى التوقيع على عدة أوراق وبملفات حملت اللونين الأزرق والأخضر، دون أن تتمكن "لا تحكي لحدا" من معرفة ماهية الأوراق، هل هي استثمارات ومصالح مشتركة أم صفقات مشروعة".

 الرأي: ومن الامثلة في عين الرأي " لاجئون سوريون يعمدون الى فتح محلات تجارية بـ«الوكالة» من خلال دفع مبلغ مالي للمواطن الاردني للحصول على رخص مهن من البلديات باسم الاخير.. قضية الوكالات بدأت من محافظة في الشمال وانتشرت الى المحافظات الاخرى". ويطلق على هذه المحلات اسماء مدن".

 وفي الرأي ايضا "استطلاع غير رسمي أظهر أن بعض المسؤولين السابقين مستاؤون من عدم فتح بيوت العزاء منذ الصباح واقتصارها على فترة ما بعد العصر.. سبب الاستياء يعود لساعات الفراغ الطويلة بدون اي نشاط اجتماعي".

ومن "خفايا" صحيفة السبيل: "كشفت مصادر بدء رحلة تقليب الحكومة الملفات القديمة من أجل استرداد الملايين من شركات ومتهربين وشخصيات معروفة، خاصة في الوقت الذي تتضارب الأرقام حول حجم المطالبات".

وقالت رئيسة تحرير صحيفة الغد جمانة غنيمات لـ مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد)،  إن زاوية "زواريب" وما شابهها في الصحف اليومية تقليد صحفي مخصص للأخبار والمعلومات التي لا تحتاج الى مساحة كبيرة، وتكون ملفتة للانتباه، واذا تم وضعها بين المواد  الكبيرة، كالتقارير والتحقيقات والاخبار الطويلة تضيع بجانبها، ولا تلفت انتباه القارئ.

واضافت أن الأخبار التي تنشر في زواريب لها مصادرها، ومعلوماتها دقيقة، لكن هذه الزاوية تمكن الصحيفة احيانا من تجاوز حساسية بعض المواضيع, كما لا يوجد سقف لنشر مثل هذه المعلومات مشابه لما ينشر في باقي ابواب الصحيفة، فمساحة التعبير تكون اكبر، خاصة وأن هناك اخباراً تنشر في مثل هذه الزوايا  تصلح لان تكون تقارير إخبارية وربما عناوين رئيسية في صحف ببيئة مختلفة مثل بريطانيا وغيرها، ولكن ما يحدث في الصحافة المحلية هو التزام بالجو الصحفي العام والحالة العامة.

واشارت إلى ان بعض ما ينشر في هذه الزواريب والزوايا المشابهة  يكون له صدى واسع، ويتابع بتحقيقات صحافية وتقارير, فيما لا يحتاج بعضها الى متابعة وتكون كافية.

واوضحت أن هذه الزوايا تحوي الأخبار الحساسة، ولكن في بعض الأحيان يضاف لهذه الزاوية الأخبار الاقل أهمية ومنها اخبار الأجندة, لتغطية المساحة المخصصة، فليس من السهل دائما الحصول على عدد كاف من الاخبار المهمة لهذه الزاوية.

بدوره قال رئيس تحرير صحيفة الأنباط فارس الشرعان إن هذه الزوايا تكون في الكثير من الأحيان الأكثر قراءة في الموقع  وتتفوق على العنوان الرئيسي، وافتتاحية الصحيفة، وتشكل مصدر قوة للصحيفة وتلاقي قبولا جماهيريا.

واضاف أن عدم ذكر الأسماء والمؤسسات بوضوح لا يضعف هذه الزوايا بل نقطة قوة احيانا, ويمكنها من تجنب الملاحقة القانونية، فبعض الاحيان تكون لديك المعلومات الدقيقة والصحيحة ولكن بدون الأدلة، فيتم نشر هذه الاخبار في مثل هذه الابواب.

وقال في الغالب تكون ردود الافعال معادية من قبل من تنشر أسرارهم في مثل هذه الزوايا وتكون حانقة وهو ما يكشف عن أثر مثل هذا النوع من الاخبار في مراقبة المجتمع والمؤسسات الخدمية.

ويوضح أن هذه الزوايا لا تشكل تهربا من الالتزام المهني, ويتم التدقيق على المعلومات المنشورة والتأكد من صحتها ودقتها.

وحول اذا ما كانت هذه الزوايا لمجاراة المواقع الاخبارية، قال الشرعان إن هذه الزوايا هي تقليد متبع في الصحف اليومية، وما تنشره المواقع هو تقليد للأصل وهو الصحافة الورقية، والمواقع تتسابق على نشر اخبارها، مضيفا انها اصبحت مطلوبة وكل صحيفة لا توجد بها مثل هذه الزاوية المشوقة، يكون بها نقص.

من جهته يقول رئيس تحرير صحيفة السبيل عاطف الجولاني أن مثل هذه الأبواب هي نمط صحفي محبب للقراء يلبي حب الاستطلاع ، وينحو إلى الخفايا والاخبار غير المتداولة، ومن حيث التوثيق لا يوجد به مصادر واضحة عادة.

واضاف في مثل هذه الزوايا درجت العادة أن لا يتم التدقيق على وجهة نظر جميع الأطراف، وهو نمط تعودت عليه الصحافة، ولكن يصبح ما ينشر في هذه الزوايا طرف خيط، لتقارير وتحقيقات.

وقال بالنسبة لي شخصيا فانا غير مقتنع بهذا النوع من الأخبار فأما ان تكون مهنيا او غير مهني في العمل الصحفي، وهذه الزاوية اصبحت تقليدا في الصحافة المحلية، وقد فكرنا في صحيفة السبيل بحذفها.

واوضح انها تشكل نمطا خاصا فهي اخبار خفيفة تتميز بالغموض، ولا تعطي الاجابة الكاملة للقارئ حول الموضوع مقارنة بالخبر، لكنها تثير الفضول وحب الاستطلاع مشيرا الى ان الغموض في المعلومة يجذب القراء فالصحيفة عندما تقوم بنشر خبر معين بعنوان يحمل الغموض تزيد القراءة عدة اضعاف .

واشار الى ان الاخبار التي تنشر في خبايا والزوايا الاخرى المشابهة تصبح في بعض المواقع الإلكترونية رئيسية. وقال بعض الاحيان تحمل مثل هذه الزوايا اخبار مناسبات وهي عملية حشو عندما لا يتوفر عدد كاف من الاخبار المناسبة لنشاهد اخبارا عادية بسيطة .

وقال محرر زاوية "عين الرأي" طه ابو ردن، في هذه الزاوية لا تنشر إلا الاخبار ذات الاهمية، والمعلومات ذات المصداقية مشيرا الى ان عين الرأي تبعد بشكل كلي عن الاخبار العادية وأخبار العلاقات العامة، وفي حال عدم وجود الاخبار الكافية لا تنشر وتؤجل الى اليوم الذي يليه.

واضاف غياب المصدر لا يعني عدم المصداقية، بقدر ما هو مرتبط بسرية المصادر، كما أن الإجابة عن الاسئلة الخمسة لا تعني المهنية التي تتمثل في المصداقية والموضوعية.

واضاف معظم المواقع تعتمد على معلومات عين الرأي وبعض الزوايا المشابهة  في صناعة أخبارها من خلال قيامها بوضع عنوان ودون الإشارة الى عين الرأي، وفي قليل من الأحيان يتم الاشارة الى صحيفة الرأي، موضحا أن عين الرأي واغلب الزوايا في الصحف لا تستق معلوماتها من المواقع، ولا تقوم بنشر معلومات منشورة سابقا.

واضاف ان هذه الزوايا ذات مصداقية عالية وتشبع فضول القارئ، وتلاقي اقبالا على قراءتها أكثر من الاخبار الأخرى  فهي زوايا متابعة جدا في الصحف ،ولكن هي زاويا يمكن للصحف الاستغناء عنها.

بدورها تقول الاعلامية سوسن زايدة، "لا يوجد حكم موحد على ما تقدمه الصحف اليومية في مثل هذه الزوايا، كما لا يمكن اطلاق احكام ثابته عامة، فهذه الزوايا تختلف من صحيفة الى أخرى ومع المراحل الزمنية، منذ انطلاقها قبل 10 الى 15 عاما في الصحافة المحلية".

وتضيف عندما بدأت هذه الفكرة كانت فكرة جيدة، ورد فعل على عدم الوصول الى المعلومة من مصدرها الأساسي، ليتم نشر معلومات ذات قيمة عالية، في ظل عدم وجود المصادر المباشرة، الا ان هذه الزوايا ساهمت في استسهال بعض الصحفيين لنشر أخبار دون الحفاظ على العناصر الخبرية.

وتضيف في المراحل الأولى كانت ادارات التحرير في الصحف متأكدة من دقة المعلومة، لكن لا تستطيع التصريح بمصدر الخبر، وهو أمر ولا يتعارض مع مهنية الإعلام.

وتضيف بعد ذلك وظفت هذه الزوايا بطريقة غير مهنية، لتوصيل رسائل موجهة من جهة إلى أخرى، ضاربة مثلا عين الرأي في مرحلة زمنية معينة "عندما كانت تنشر" ما يمكن ان يطلق عليه مجازا خبر ولكن في الحقيقة هي ليست معلومة ولا أخبار ضد جماعة الاخوان المسلمين.

وتوضح "الأساس في أخبار هذه الزوايا أن تكون مجهولة المصدر، لكن احيانا نلاحظ  إقحام جمل في هذه الزوايا لتشويه سمعة جهة معينة بصياغة غير مهنية، وبأخبار مفبركة لا تخفى على اي صحفي مهني، وتخالف المنطق".

وتقول هناك امثلة عن خروج هذه الزوايا عن نهجها بنشر أخبار قصيرة عن نشاطات دوائر حكومية ، مضمونها لا يبرر ان تنشر مهنيا على لسان مصدر مجهول، وهو ما اخرج بعض ما ينشر في هذه الزوايا عن هدفها الاساسي ، مشيرة إلى وجود حالة من الاستسهال لدى بعض الصحفيين ونشر اخبار مجهولة المصدر, وهو الامر الذي انتقل احيانا الى الاخبار الاخرى لتصبح الاخبار المبنية للمجهول جزء من الصحافة المحلية.

وتوضح ان هذه الزوايا تقدم أخبارا صياغتها تحوي قدرا كبيرا من الايحاء بالغموض، وفي الحقيقة هو ليس غموضا بل ايهام بالغموض، وهذه النوعية من الاخبار تلقى القبول عند المتابعين والذين تثير فضولهم مثل هذه الصياغة مشيرة الى ان بعض هذه الزوايا فقدت مبررها بسبب بطريقة التطبيق.

1- وفي ضوء المتابعة يضع (أكيد) مجموعة من المحددات والخلاصات المهنية ذات الصلة بهذا النمط من الصحافة:

أ – ان هذا النمط من الصحافة يعد تقليدا موجودا في الصحافة، وله جاذبية لدى القراء تبرر وجوده  نظرا لما تتمتع به المعلومات المقدمة من قوة ومباشرة وسرعة.

ب- ان لجوء الصحافة الى تجهيل المصادر في مثل هذه الزوايا هو احد القواعد المهنية الأساسية التي تلجأ اليها الصحافة لحماية المصادر اذا كانت المعلومات تخدم الصالح العام.

ج- أن انتشار مثل هذا النمط الصحفي جعل بعض الصحف والمواقع الاخبارية تلجأ الى المصادر المجهولة  لنشر مواد غير موثقة, وتمرير معلومات ذات صلة بالمساجلات السياسية لصالح جهة على حساب أخرى، ما جعل هذه الوسائل تقع في اخطاء مهنية واخلاقية.

2 - أن لجوء الصحافة إلى استخدام المصدر المجهول بشكل مستمر في هذه الزوايا يشكل مخاطرة بسمعتها خصوصا إذا تبين أن الخبر غير صحيح، لأن القارئ سيستنتج أن الصحيفة التي يتابعها تفبرك الأخبار ولكن عندما ينسب الخبر لمصدر معلوم، فإن القارئ لن يحاكم الوسيلة بل سيطلق حكمه على المصدر.

3-  ضرورة الحذر من توظيف هذه الزوايا في سياق المناكفات السياسية أو أن تكون سبباً في فتح الباب واسعا أمام إطلاق الإشاعات وبالتالي تضليل المجتمع وتشويشه، كما يحذر "أكيد" من الاستسهال وعدم الرغبة في البحث عن مصادر حينما يعتقد الصحفي بصحة ما لديه من آراء أو معلومات فينسبها إلى مصادر مجهول.

تحقق

تحقق