وسائل إعلام تنقسم حيال نوايا حكومية لإصدار تشريع لمواقع التواصل الاجتماعي

أكيد - أنور الزيادات

لم تخف الحكومة توجهها في أكثر من مناسبة لاقرار تشريع خاص بمواقع التواصل الاجتماعي، مع كل أزمة أو قضية تشغل الرأي العام، بهدف "ضبط ومراقبة ما يبث عبرها", ما يثير تخوف النشطاء ورواد تلك الوسائل من أن يستخدم مثل هذا التشريع في تقييد حرية الرأي.

وتنشر وسائل اعلام تقارير تروج لهذه الخطوة الحكومية وتمهد الطريق أمام مثل هذا التشريع، من خلال نقل مطالبات لجمهور ومختصين بالحاجة الى تشريع خاص بمواقع التواصل الاجتماعي، بدعاوى عديدة أبرزها حماية حريات وخصوصيات الأفراد ووقف "خطاب الكراهية".

في المقابل تتصدى وسائل اعلام أخرى للتوجه الحكومي بنشر تقارير توضح فيها سلبيات اقرار مثل هذا التشريع وانعكاسه على حرية الرأي والتعبير، وتشير الى وجود تشريعات حالية يمكن من خلالها التعامل مع كل حالة على حدا اذا تبين فيها اساءة للافراد أو تعد على حقوق الآخرين.  

الانقسام في وسائل الاعلام حول وجود تشريع خاص بمواقع التواصل الاجتماعي ظهر عندما بدأت الحكومة تعلن تباعا دراستها لوضع تشريع خاص بمواقع التواصل الاجتماعي، فمنذ بداية العام الحالي تحدث وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني بوضوح عن الموضوع.

 وأشار المومني إلى أن الأسباب الموجبة لدراسة هذا التشريع تكمن في "ضرورة ضبط ومراقبة ما يبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديد مسؤولية من يستخدم هذه الوسائل والعقوبات بحق المستخدمين الذين يبثون خطاب الكراهية والفتنة والتحريض ويمسون السلم المجتمعي، على أنه في حال تم وضع مثل هذا التشريع فإنه لن يكون على حساب الحريات ولن يسهم بتقييدها".

ويأتي هذا التوجه بعد أن أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي مصادر هامة  للأخبار والمعلومات، وتمتاز بالسبق والفورية التي تؤهلها لمنافسة وسائل الاعلام في اثارة الرأي العام ونشر المعلومات،

وبلغ عدد مستخدمي فيسبوك في الأردن أكثر من 5 ملايين مستخدم أي ما يعادل 50 % من عدد السكان، حتى نهاية النصف الاول من العام الحالي بحسب أرقام نشرها الموقع العالمي "إنترنت وورلد ستاتس" المتخصّص في احصاءات الانترنت. كما بلغ عدد مستخدمي "تويتر" حتى منتصف العام الماضي حوالي 350 ألف مستخدم، وفق دراسة عالمية لمركز "بيو ريسيرج سنتر".  

صحيفة الرأي اليومية نشرت تقريرا تحت عنوان "مطالب بقوانين تضبط مواقع التوصل الاجتماعي"، ويتبين من العنوان أن ما نشر يميل الى تأييد "ايجاد قانون لمواقع التواصل الإجتماعي" بهدف ما وصفته الصحيفة "حماية الأشخاص وخصوصياتهم، من خلال إيجاد قوانين رادعة لمنع الإساءة إلى الآخرين والتعدي على خصوصياتهم".

كما نشرت صحيفة الدستور اليومية تقريرا بعنوان " قانون لضبط وسائل التواصل الاجتماعي خطوة حكومية بالاتجاه الصحيح" جاء فيه "أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تشكّل واحدة من أكثر أدوات الهدم في كثير من الأحداث المحلية والخارجية نظرا لعشوائية عملها وعدم ضبطه تشريعيا وفنيا".

بدورها نشرت صحيفة الغد اليومية تقريرا بعنوان "تشكيك بقدرة "قانون خاص" على ضبط العالم الافتراضي، جاء فيه "فيما رفض إعلاميون وحقوقيون توجه الحكومة لأعداد قانون خاص لمواقع التواصل الاجتماعي، تخوفا من تقييد جديد على الحريات الاعلامية وحرية التعبير، أيد أخرون تنظيم النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاجة هذا الميدان الجديد لقانون خاص".

 ونقلت صحيفة السبيل تقريرا لوكالة الانباء الاردنية "بترا" بعنوان" قانونيون يدعون إلى مدونة سلوك على مواقع التواصل الاجتماعي" جاء فيه "دعا قانونيون إلى تشكيل مدونة سلوك انسانية، في التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي ، وتغليظ العقوبات لمن يتعدى لفظيا على الاخر، لتشكل رادعا وتضع حدا لخطاب الكراهية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تنامى في الآونة الأخيرة بعد التفجيرات الإرهابية في المنطقة".

 ونشر موقع "عمان نت" تقريرا بعنوان "قانون مواقع التواصل.. تكميم أم ضبط؟! جاء فيه "أثار توجه الحكومة لسن قانون خاص لضبط عمل مواقع التواصل الاجتماعي، جدلا واسعا بين رواد تلك المواقع والحقوقيين، مؤكدين أن إقرار القانون يقيد الحريات الإعلامية وحرية التعبير، فيما يرى آخرون أن هذه المواقع بحاجة للتنظيم".

ونشر موقع حبر تقريرين الأول  بعنوان " مشروع قانون «السوشال ميديا»: تغطية عورات الحكومة بالمزيد من التشريعات"  وأخر أقرب الى مقالات الرأي بعنوان "لماذا تخاف الدولة الأردنية "السوشيال ميديا" أشار إلى أنه "تحت عنوان مكافحة التطرف، والكراهية، والعنصرية، تسعى  الحكومة لتمرير مشروع القانون، دون ضجيج الشارع، وبقليل من انتقادات المنظمات الحقوقية".

وقال المحامي المختص بقضايا المطبوعات والنشر خالد خليفات لمرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد)، "اذا كانت الفكرة اصدار قانون جديد لتنظيم كافة الافعال التي تترتب بواسطة استخدام الإعلام المجتمعي أؤيد ذلك، ولكن اذا كانت لتقييد الحريات فيجب التأني وعدم التسرع"، مضيفا في "حال التوجه لاصدار مثل هذا القانون فيجب ادراج نصوص لتعريف ومعالجة خطاب الكراهية".

وأوضح قانون الجرائم الالكترونية "قد لا يكون كافيا لمعاقبة كافة الافعال الجرمية التي قد ترتكب من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، ومنها عدة افعال ترتكب من قبل مستخدمي التواصل الاجتماعي، و تخضع لأكثر من قانون".

وقال "مثلا الجريمة التي ترتكب على فيسبوك تكون خاضعة لقانون الجرائم الالكترونية، والجريمة التي ترتكب عبر واتساب تكون خاضعة لقانون الاتصالات أما اذا كانت عبر سناب شات فهي خاضعة لقانوني العقوبات والجرائم الالكترونية".

بدوره يقول النائب الحالي ورئيس تحرير صحيفة العرب اليوم السابق نبيل غيشان ل"أكيد"، "القوانين الموجودة كافية، ولكنها مبعثرة"، مشيرا الى "أن قوانين المطبوعات والعقوبات والاتصالات تغطي القضايا في هذا المجال ولسنا بحاجة الى عقوبات جديدة".

وأضاف "يجب التفريق بين التواصل الاجتماعي الفردي والصحف الإلكترونية والمواقع الاخبارية، فالتواصل الاجتماعي يعبر في الغالب عن أراء فردية، وجزء هام من حقوق المواطنين في حرية التعبير يجب الحفاظ عليها على أن لا تكون مخالفة للقانون، أما المواقع والصحف الالكترونية فيوجد قوانين تضبطها".

وقال "نحن بحاجة الى ضوابط اجتماعية، خاصة للشتم والاساءة الموجهة الى الافراد بعيدا عن المواقف السياسية والتي من حق الجميع أن يعبر عنها".

وحول تعدد القوانين والعقوبات في مثل هذه القضايا قال "أن القانون الخاص يتقدم على العام، خاصة وأن هناك قوانين تعالج نفس القضية".

وأضاف "دائما الحكومات تنظر إلى الثغرات في أداء وسائل الاعلام لتشديد العقوبات، فالتجاوزات على الأفراد تفتح المجال للحكومة للتوجه لإصدار قانون للتواصل الاجتماعي"، مشيرا الى أن "الخصوصية غير مسموح المساس بها في الدول التي تراعي حقوق الانسان".

بدوره، قال مدير مركز حماية الصحفيين نضال منصور ل"أكيد"، "ليس لدينا معلومات رسمية بشكل عام تتعلق بقانون خاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وما يصلنا هو وجهات نظر، واذا كان الموضوع متعلق بخطاب الكراهية، فتوجد مظلة تشريعية كافية لملاحقة المتهمين بخطاب الكراهية والتحريض والتجاوزات، والدليل أنه تمت ملاحقة وتحويل عدد ممن المتهمين في أوقات سابقة إلى المحاكم، وهذا يعني أن مواد القانون تسعف السلطات لملاحقة ومساءلة من تعتبرهم منتهكين، فلا عقوبة ولا ملاحقة الا بنص قانوني".

وأشار الى أن "قانون العقوبات يغطي أكثر الأفعال المجرّمة، عدا عن قانون الجرائم الإلكترونية، وقانون أنظمة المعلومات، والمعاملات الإلكترونية، وانتهاك حرمة المحاكم، ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى القوانين الخاصة بوسائل الإعلام".

وقال "عندما تتحدث الحكومة عن قانون جديد ، نشعر بالريبة والخوف والتوجس، ونصبح أكثر قلقاً على حرية التعبير، فالخيط الفاصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية دقيق جداً، وحين لا يوجد تعريف قانوني منضبط لخطاب الكراهية أو المس بالأمن الوطني فإن من السهل على الحكومة استخدام القانون الجديد للضغط على منتقديها والعصف بحرية التعبير".

وحول التوجه الحكومي لوضع قانون لضبط واقع وسائل التواصل الاجتماعي قال نقيب الصحافيين راكان السعايدة ل"أكيد"، "لا تملك الحكومة خيارا  للتعامل مع زخم المعلومات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، الا من خلال الحوار والاشتباك الايجابي مع الفاعلين".

وأضاف "ما يحدث في الاردن على مواقع التواصل الاجتماعي يحدث في كل دول العالم وهو  ليس شأناً أردنياً خاصا"، وأضاف "أن النهج الكفيل بالحد من الاشاعات والافتراء والكذب والتقليل من تفشي خطاب الكراهية على مواقع التواصل هو ضمان حق المعرفة للناس وتقديم معلومات ذات مصداقية بشكل منتظم للجمهور".

وقال رئيس لجنة التوجيه الوطني والاعلام النيابية عبدالله عبيدات ل"أكيد"، "لم يصلنا اي شيء حول أي قانون جديد ينظم عمل وسائل التواصل الاجتماعي من الحكومة".

وأضاف "أنا مع وجود تشريعات ومواد قانونية جديدة  للحد من التجاوزات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي"، مشيرا إلى "أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة ومكان لاغتيال الشخصية، واستهداف الأشخاص لغايات التشهير ومكان لإطلاق الشائعات التي لا تستند للحقيقة".

وقال "ان العقوبات الموجودة غير كافية وغير رادعة، ونحن بحاجة الى كثير من المواد والعقوبات التي تغطي ما ينشر على مواقع التواصل، وبحاجة الى عقوبات مغلظة  لضبط وسائل التواصل ومعاقبة المسيئين والمخالفين، والحد من التجاوزات والإساءات والإشاعات المتنوعة على وسائل التواصل الاجتماعي".

وأضاف "أن القوانين الحالية لا تغطي  كل ما ينشر بوسائل التواصل الاجتماعي بشكل محدد،  ومن هنا نرى أن القوانين الحالية كقانون العقوبات والمطبوعات وغيرها من القوانين ليست كافية".

وهنا لا بد من الاشارة إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تمنح مساحة واسعة من الحرية للتعبير عن الرأي، بعيدا عن احتكار أي جهة لوسائل الاعلام وأدوات النشر، لكن الامر لا يخلو من وجود اشخاص غير مسؤولين يستغلون هذه المنابر بالإساءة الى الأخرين.

تحقق

تحقق