الثقة (الشعبية) بالإعلام الجديد.. هل تتحسن مكانة (حكي الجرايد)؟

أحمد أبوخليل

في كتابها "تغير العقل.. كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا"، تفسر الباحثة البريطانية المختصة في موضوع الدماغ والعقل (سوزان غرينفلد) جوانب من سلوك الفرد وحالة دماغه أمام شاشة الانترنت. والكتاب صدر في نيويورك عام 2015 وترجم إلى العربية هذا العام 2017 وصدر ضمن سلسلة "عالم المعرفة".

تضع الباحثة للفصل 16 من الكتاب العنوان التالي: "الشيء المتعلق بتصفح الانترنت"، وهي في مطلع الفصل تذكّرنا بأمر قد تكون له بالنسبة للقارئ العربي أهمية خاصة. إن مفهوم surfing الذي ترجم إلى العربية بكلمة "تصفح" استخدم لأول مرة (في مجال القراءة) في مقال لكاتبة اعتمدت المعنى الأصلي للكلمة أي "ركوب الأمواج" وأن كاتبة المقال أرادت في استعارتها للمفردة، استحضار معاني المتعة والإحساس بالعشوائية والفوضى والخطر!

إننا إذن أمام مفردة تتصل في لغتها الأصلية بمعاني الاقتراب من "السطح" و"المظهر الخارجي" surface  ولا علاقة لها بدلالات الكلمة في العربية التي تذهب بالذهن إلى تصفح الصفحات (الأوراق) وقراءتها، هذا فضلا عن أن كلمة "تصفح" باللغة الفصحى (وفق المعاجم) تعني النظر والتأمل في الأشياء والأشخاص والصفحات والتعرف على ما فيها، أي بعكس معاني المصطلح بلغته الأصلية.

لكن مؤلفة كتاب "تغير العقل" توضح الشبه بين ركوب الأمواج وتصفح الانترنت من حيث أن راكب الموج ومتصفح الانترنت لا يهتمان بما يجري في المستويات الأعمق، غير انهما يستمتعان بمجرد "اجتياز الرحلة"، مهما كان المكان الذي ستأخذهما إليه. "إن لفظة ركوب الأمواج تستحضر الإثارة والصحة والشباب والسرعة التي تشعر بها وأنت تنتقل من دون جهد عبر المواقع، ومقاطع الأفلام، والحقائق، إنها نشاط مقتصر على ثقافة الانترنت".

لعل هذه المقدمة المستندة -ولو بسرعة- لمرجع هام، تفيد في محاولة الاقتراب من المشهد المحلي، ذلك أن المساواة بين "المتصفح" و"القارئ" أدخلتنا في مشكلة إعلامية وثقافية في آن.

من الدارج شعبيا ورسميا أننا ننتمي إلى شعوب لا تقرأ (بما في ذلك قراءة الصحف)، ولكن من الواضح وفق الإحصاءات الحديثة أننا ننتمي إلى شعوب "تتصفح".

غير أنه من الضروري ملاحظة أن محتوى النقاش حول المستجدات الإعلامية وموقف الجمهور منها، يكاد يكون متشابهاً على المستوى العالمي، ويخاض بالمفردات والتساؤلات ذاتها أحياناً، فقد أصدر معهد وكالة رويترز وجامعة أكسفورد تقريرا مفصلا بعنوان "تقرير الأخبار الرقمية"، عن حالة الثقة بالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في 36 دولة ومن خلال عينة واسعة، ورغم أن العينة لم تشمل أي بلد عربي، لكنها شملت دولا شبيهة من حيث مستواها الاقتصادي الاجتماعي، وعليه لن يكون ادعاء بلا معنى أن نفترض أن النتائج قد تنطبق على حالتنا من حيث تراجع الثقة أو التناوب في مستوى الثقة بين وسائل الإعلام وبين التواصل الاجتماعي وفق التبدلات السياسية المحيطة.

فيما يلي اطلالة على بعض العناوين من وجهة نظر محلية:

في وسط عمان

في المبنى الشهير لأمانة عمان في وسط المدينة والذي تشغله الآن مكتبة الأمانة ودائرة المكتبات، توجد قاعة جانبية صغيرة عرضها أقل من مترين وطولها حوالي 6 أمتار، مخصصة للدوريات، ولها مدخل جانبي خاص نحو الشارع.

قبل 10 أعوام مثلاً كان في القاعة حوالي 15 كرسيا تقلصت الآن إلى حوالي 8 كراس، مع هذا لا تزال القاعة تخدم عددا من قراء الصحف الورقية المواظبين، في سجل الزوار يصل عدد الزوار اليومي إلى حوالي 20 زائراً، وبمقدورنا أن نفترض أن نصف الزوار لا يسجلون أسماءهم، فنتحدث عن 40 إلى 50 زائرا في اليوم.

قبل ذلك ومنذ حوالي 15 عاماً كانت قاعة الدوريات هذه تقع في مبنى قريب اشتهر وفق لوحة كبيرة كانت معلقة على الباب، بأنه "مكتب دفن الموتى"! التابع للأمانة، كما كان يعلو المدخل ذاته لوحة تشير إلى مكتب "دوريات" أخرى غير الصحف والمجلات، وهي دوريات الأمانة التي تلاحق البسطات المخالفة، لكن لوحة صغيرة أخرى كانت تشير إلى قاعة "دورياتنا" في هذا التقرير، التي رغم هذا المشهد الموصوف، كانت تضم صالة كبيرة فيها عشرات الكراسي وكانت عامرة بالزوار.

أما في المكتبة الوطنية التي كانت تضم قاعة دوريات مماثلة، فقد وضعت الآن طاولتان قرب رف يحمل الصحف اليومية، لكن عددا محدودا الآن يرتاد المكان لهذه الغاية بعد أن كان لها زبائن دائمون، واليوم لا يجد الموظفون ما يحفزهم على الحرص على تجديد أعداد الصحف يوميا بشكل منتظم، رغم أن الخدمة في باقي فروع المكتبة تقدم بمستوى جيد ومناسب.

هناك إذن تحول عن الورق.. هذا الاستنتاج ليس جديداً وهو ليس اكتشافا بحال من الأحوال..

مواقع الصحف على الانترنت

الزميل ناصر الجعفري رئيس تحرير الموقع الالكتروني لصحيفة "الغد" الذي يتقدم على المواقع الإلكترونية لباقي الصحف لكنه يتأخر عن عدد من المواقع الإخبارية غير التابعة لصحف، يقول: إن قارئ الانترنت ملول وعلى عجلة من أمره دوماً، وهو يذهب لمن يوفر له السرعة والجاذبية والمباشرة، وهذا يتنافى مع تقاليد الصحف التي لا تزال تنسحب على مواقعها الالكترونية، لكنه يضيف: في الأخبار الهامة، لاحظنا أن قارئ الخبر في موقع إخباري إذا أراد التأكد مما قرأه يعود إلى موقع الصحيفة.

إن العلاقة بين المواقع والصحف أشبه بالحب من طرف واحد، فالمواقع تتقاسم مباشرة ومنذ ساعات الفجر، ما ينشر في الصحف، ووفق الجعفري تركز المواقع على مقالات الرأي في الصحف، وعادة ما تنقلها مع إغفال المصدر. ويضيف إن ملاحقة الأمر تبدو لغاية الآن مهمة صعبة وفق التقنيات المتاحة حالياً، ويستحيل أن تحصر الجهات التي "نقلت" المادة، وهناك اشكاليات في المتابعة والمحاسبة بما فيها المحاسبة الأخلاقية.

لكن كتاب الصحف أصحاب المقالات المنقولة يحبون أن تنقل مقالاتهم.. "مقالتي أخذَتها كل المواقع"، هكذا يقول الكاتب مبتهجاً. كما إن المواقع تبدو وكأنها تتفضل على كتاب المقالات: "نأخذ كل مقالاتك"! ويتبارز الكتاب في عدد المواقع التي "أخَذَت مقالاتهم"، ولا يستطيع الكاتب مقاومة إغراء البحث عن مصير مقالته بواسطة محركات البحث الشهيرة ليرى كم من المواقع "أخذتها".

على صعيد الجمهور نفسه، أصبح الاستناد إلى المواقع في الأخبار يعني أنك بصدد مصدر ضعيف، لكنه يصلح كحد أدنى للثقافة العامة، أما التواصل الاجتماعي فلا يعتمد حصريا للأخبار بقدر ما هو لتشكيل التيارات او المواقف من قضايا معينة أو عامة.

أشارت دراسة اعدها المجلس الثقافي البريطاني بالتعاون مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة تناولت أربع دول هي مصر وتونس وليبيا إلى تراجع ثقة الشباب العربي بالإعلام الذي اعتبروه منحازا، كما خلصت الدراسة إلى أن "استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبئة السياسية في الوقت الراهن، أدى إلى مزيد من التنميط والمراوغة الأمر الذي جعل العديد من المشاركين في الدراسة يعتقدون أن دورها الثوري قد انتهى".

لغايات إعداد هذا التقرير أجريت متابعة سريعة لحال بعض صفحات "فيسبوك" التي تعد "قوية" وفق الوصف الدارج، وقد لاحظت (خلال السنوات الأربع الأخيرة) تراجع حجم التفاعل رغم زيادة العدد المطلق للمتابعين للصفحة، وراجعت أثر مشاركة هذه الصفحات لمواد منشورة في موقع الكتروني تمكنت من معرفة عدد قرائه، ولاحظت كذلك مدى التراجع في أثر تلك المشاركات على القراء، لقد كان القراء يندفعون إلى الموقع بمجرد أن تقوم الصفحة بمشاركة share لمواد الموقع.

سؤال: هل من فرصة متجددة للإعلام المهني؟

بالطبع عندما نقول "المهني" لا نعني "التقليدي"، فمن الواضح أن التقنيات الجديدة قد تفوقت (قضت!) على "القديمة"، وهذا حال التطورات التقنية في التاريخ البشري، ولكن هل يمكن أن نفكر بإعلام حديث رقمي ومهني معاً؟

هناك مؤشرات على اكتمال دورة "الإثارة" للإعلام "الجديد" كما مورس في الواقع، ويشمل ذلك التواصل الاجتماعي، من الواضح أن نشر خبر في صحيفة أو عبر قناة تلفزيونية يختلف عن نشر الخبر ذاته في موقع الكتروني أو على منصات التواصل. يبحث الناس عن مصدر الخبر أو إن كان يوجد من يتحمل مسؤوليته، لكي يحظى بالمصداقية. وهذا لا يعني أن الناس حسموا أولوية المصداقية في تعاطيهم مع الإعلام، فالأمور المتعلقة بالجاذبية تتحكم بها عناصر أخرى.

لعقود طويلة مضت كان الناس يستخدمون عبارة "حكي جرايد" عن الأخبار غير الموثوقة أو المزورة والمنحازة، ولكن "حكيا" من صنف آخر داهمهم بكثافة غير معتادة، فهل نتوقع أن نسمع قريبا إلى أمنية "سقا الله أيام حكي الجرايد"؟

تحقق

تحقق