ضحايا الأخبار الكاذبة.. الجمهور عرضة للخداع والتلاعب

أكيد - ترجمة آية الخوالدة

أثبت أورسن ويلز أن الأمريكيين يمكن أن يقتنعوا بأي شيء، حتى قصة غير معقولة مثل غزو أهل المريخ المسلحين نيوجرسي، فالنشرة الإذاعية الوهمية التي قدمها ويلز عام 1938 حول هذه الحرب ما بين العالمين، خلقت فوضى عارمة، حتى أنه نفسه تفاجأ بها.

وفي الوقت الذي كان يحاول فيه ويلز أن يثبت أن الإذاعة يمكن أن تكون وسيلة جديدة غير جديرة بالثقة، نشرت العديد من الصحف الأمريكية أنذاك تقارير إخبارية وهمية عن الذعر الذي أصاب الناس حول الخبر.

وقال ويلز في مقابلة أجراها مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عام 1955 "لم نكن بريئين في بث خبر هجوم المريخ، انما سئمنا من الطريقة التي يصدق بها الناس كل ما يصدر عن هذا الصندوق السحري الجديد (الراديو)، وكشفنا بذلك مصداقية هذه الوسيلة الإعلامية، والهدف أن يتعلم الجميع التفكير والتمعن فيما يصل إليهم من معلومات قبل تصديقها، سواء من الراديو أو غيره".

الامريكيون ما يزالون اليوم عرضة للخداع والتلاعب كما كان الحال عام 1938، فقصة ويلز حول غزاة كوكب الأرض، تتكرر يوميا في المشهد الإعلامي اليوم حيث نظريات المؤامرة والأخبار الوهمية والخداع المتعمد وبواسطة الجميع، سواء من البيت الأبيض وانتقالا إلى أبسط حي في احدى الولايات، وذلك بنقرة واحدة تصل في ثوان عديدة إلى عشرات الملايين وشاشاتهم السحرية.

في صباح اليوم الثاني للبث الإذاعي المتعلق بغزو كوكب الأرض، اعتذر ويلز عن أي ضرر قد يكون تسبب به بسبب ما نُشر، في الوقت الذي يتصرف فيه غزاة اليوم بشكل أفظع حيث ينشرون خطابات الكراهية والقصص المفبركة من دون أي أدلة تثبت ذلك أو تؤكد صدقيتها، ولا يندمون على ما تسببوا به من ضرر، بل على العكس تماما ينكرون حينما تتم مواجهتهم بحقائق لا يمكن دحضها.

في هذا التقرير قامت مؤسسة صحافة كولومبيا بمحاورة مجموعة من الأشخاص الذين كانوا ضحايا للقصص الإخبارية المفبركة وتم تحريرها بدقة وعناية شديدة، خوفا من تعرضهم مجددا لأي مضايقات.

مذبحة مدرسة ساندي هوك

فقد ديفيد ويلر ابنه بينجامين "6 سنوات" في مذبحة ساندي هوك عام 2012، حيث اقتحم أدم لانزا في صباح يوم الجمعة 14 كانون الأول المدرسة وأطلق النار على 20 طفلا وستة معلمين، قبل أن ينتحر وأدت المأساة غير المفهومة حتى يومنا هذا، إلى جدل وطني للمطالبة بتشديد الضوابط المفروضة على امتلاك الأسلحة الناريَّة في الولايات المتحدة.

بعد فترة وجيزة من الحادثة، بدأ الصحفي الأمريكي ألكس جونز عبر اذاعته حربا على الأهالي متهما إياهم بالخداع، ومن ثم انتشرت القصص على وسائل التواصل الاجتماعي مدعين أن الأباء الحزينين كانوا محتالين ولا وجود لأبنائهم ولم تحدث المجزرة أبدا، كما تلقى الأباء تهديدات بالقتل واتهامات بفبركة هذه الحادثة من أجل تقويض حمل السلاح في أمريكا.

يقول ديفيد ويلر "كان من المؤلم وبشكل لا يصدق أن أعيش تجربة قاسية وصعبة لفقدان طفلي الصغير وأن تتم مهاجمتي في الوقت نفسه من الصحافي أليكس جونز عبر إذاعته "حرب المعلومات InfoWars" واتهامي بتلفيق وفاته فقط لأكون جزء من حملة ضد حمل السلاح.

ويضيف "قام بعض الأشخاص بإعداد حسابات وهمية لي ولزوجتي ونشروا من خلالها الأكاذيب على ألسنتنا، واختارونا من بين جميع الآباء والأمهات الذين قتل أطفالهم، لأننا كنا في السابق ممثلين مسرحيين"، وتفسير ذلك وفقا لـ ويلر "هم لا يملكون أية حجة مقنعة لإثبات نظريتهم حول فبركتنا لحادثة المدرسة، لذلك لا بد من قليل من الحقيقة لتغليف الكذبة الكبيرة حتى يصدقها الأخرون، وكانت هذه الحقيقة عملنا في مجال التمثيل".

وتمكن ويلر في نهاية المطاف من إغلاق حسابات تويتر،  كون المنصة أكثر شفافية ومصداقية من فيسبوك ويوتيوب.

الاحتيال في الانتخابات الأمريكية

خلال جولات المرشح الرئاسي دونالد ترامب، تحدث في خطاب له أمام مناصريه في كولومبوس بولاية أوهايو في ايلول عام 2016  "أخشى من أن تكون الانتخابات غير عادلة. ويجب على الجمهوريين أن يكونوا على حذر حتى لا تسرق منهم الانتخابات".

وأوضح ترامب أنه "يسمع أكثر فأكثر عن أن الانتخابات المقرر إجراؤها في تشرين الثاني ستكون عرضة للتزوير والاحتيال الجماعي".

بعد مرور شهر من هذه التصريحات، نشرت صحيفة إلكترونية "كريستيان تايمز" قصة تدعي فيها أنه تم العثور على عشرات الالاف من بطاقات الاقتراع الوهمية للمرشحة هيلاري كلنتون في مستودع كولومبوس، وأرفقتها بصورة لعامل صيانة مع أكوام من صناديق الاقتراع. وشاهد التقرير ما يقارب الـ 6 ملايين شخص، الأمر الذي دفع العديد من المواطنين الى الإبلاغ عن هذا الغش أمام مجلس مقاطعة فرانكلين للانتخابات.

زيفت صحيفة "كريستيان تايمز" القصة، وانتشرت بشكل كبير، حيث قام كاميرون هاريس البالغ من العمر 23 عاما، بإنشاء موقع مزيف لبيع إعلانات الويب وروج له من خلال نشر أكاذيب ضد المرشحة كلينتون، لمعرفته بأنها ستحصد الاهتمام الكبير من كلا الطرفين، حيث ارتفعت قيمة الموقع الى 125 الف دولار من أصل 22 ألفا.

وبمجرد ما كشف مجلس مقاطعة فرانكلين للانتخابات زيفها، فقد هاريس وظيفته وانخفضت قيمة الموقع إلى الصفر بعد أن سحبت غوغل إعلاناتها من المواقع الإخبارية المزورة في تشرين الثاني بعد انتخابات ترامب.

تقول آرون سيليرز، مسؤولة الإعلام في مجلس المقاطعة "هدفنا تعزيز الديمقراطية وتوعية الناس بحقهم في الاختيار السياسي، بغض النظر عن وجهات نظرهم، ومثل هذه الشائعات والقصص المفبركة أساءت وبشكل كبير بحق الديمقراطية".

بث أخبار كاذبة وتلفيق قضية قتل

توفي مدير بيانات الناخبين في اللجنة الوطنية داخل الحزب الديمقراطي سيث كونراد ريتش في واشنطن صباح العاشر من تموز 2016، عن عمر 27 عاما، حيث تم إطلاق النار عليه مرتين بالقرب من منزله في حي بلوومينجدل بواشنطن.

ووصفت الشرطة الحادثة بمحاولة سرقة متعمدة في حي يشهد ارتفاعا في جريمة الشوارع، بينما أصرت الوسائل الإعلامية على تقديم نظرية المؤامرة ونشر أخبار كاذبة لصالح دونالد ترامب، متهمين فريق هيلاري كلينتون بقتله بعدما نشرت صحيفة "Morning" أن ريتش من سرب المعلومات التي أضرت بصورة الحزب الديمقراطي في تموز 2016 بعد نشر موقع ويكيليكس تسريبات تؤكد أن الحزب تلاعب في نتائج الانتخابات التمهيدية لصالح هيلاري كلينتون.

وتصدرت شبكة "فوكس نيوز" القضية حيث تم اتهامها بتلفيق قضية القتل، من دون أي أدلة رسمية، ما أجبرها على سحب المقال بعد عدة أيام موضحة أنه لم يخضع "لمراجعة تحريرية دقيقة" ولا يحترم "معايير" الشبكة الإخبارية.

في غياب أي دليل يربط ريتش بتسريب تلك الوثائق، وأن حادثة اغتياله محض عملية سطو مسلح فاشلة، تعرضت عائلة ريتش للكثير من المضايقات وبالأخص نظريات المؤامرة التي كانت تدور حول مقتله والتي وصفوها بـ المثيرة للاشمئزاز.

تصعيد قضية البيتزا

يعتبر المواطن الأمريكي جيمس أليفانتيس وزوجته وجيرانه من أهم ضحايا الأخبار الكاذبة، وهو صاحب مطعم البيتزا "كوميت بينغ بونغ" الموجود في الربع الشمالي الغربي من العاصمة واشنطن.

انتشرت أخبار مفبركة في الوسائل الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي عن وجود عصابة تترأسها المرشحة الرئاسية السابقة هيلاري كلينتون للإتجار جنسيا بالأطفال، وهذه العصابة تتخذ من مطعم البيتزا واجهة لها.

انتشار الأخبار الوهمية في الانترنت حول هذا الأمر لم يتسبب فقط بالتهديدات بالقتل التي يتلقاها أليفانتيس، انما طالتها إلى حادثة إطلاق نار من قبل رجل أمريكي دخل المطعم حاملا بندقية أتوماتيكية، أراد أن يجري بنفسه تحقيقاً حول انتشار هذه الشائعات على الانترنت، وهدد الموظفين في المطعم بوجود عدد كبير من الزبائن يومها وتم القبض عليه، دون أن يصيب أحدا بجروح.

هوليوود تنضم إلى رواية القصص المفبركة

في طريقة ماكرة للتسويق، انشأت شركة أفلام فوكس للقرن العشرين خمسة مواقع إخبارية للترويج لفيلم الرعب "رحلة للعلاج" انتاج عام 2017، وجميعها تنشر أخبارا كاذبة وقصصا وهمية، إلى جانب إعلانات الفيلم.

وأكدت متحدثة من أحد منتجي الفيلم من شركة "Regency Enterprises" أنهم "يعملون مع هذه المواقع المزورة ويزودوها بالتصريحات حول الفيلم والذي يدور حول علاج وهمي يجعل صحة الناس أكثر سوء".

وطالت القصص الوهمية العديد من الشخصيات المشهورة وأهمها دونالد ترامب ولفقت قصصا واتهامات غريبة أو تحدثت عن أمراض وربطتها بهم.

صحيفة أمريكية ضحية الأخبار الكاذبة

وقعت الصحيفة الأمريكية "The Leader" ضحية لمجموعة من الأخبار الكاذبة التي نشرها موقع إخباري بعنوان "Houston Leader"، حيث تلقى رئيس التحرير جوناثان ميكفلي شكاوى من جميع أنحاء البلاد والعالم حول قصة إخبارية عنوانها "بعد دراسة ثلاثين عاما للنباتيين، اكتشاف زيادة في نسبة الأمراض العقلية".

ويضيف "بدأنا بالبحث عن المصدر الذي ينشر التقارير باسم صحيفتنا، وهنا كانت المفاجأة حيث اتضح انه موقع رسمي ومتقدم، يضم 17 محررا وصحافيا، مع زاويا وأبواب عديدة، حتى أنهم يملكون زاوية توظيف وفرص عمل متاحة لديهم".

واتضح من خلال تصفح الموقع وجود العديد من القصص المزورة، ومنها نية الفنانة الأمريكية ليدي غاغا توجيه تحية للمسلمين خلال إحيائها حفل المباراة النهائية في دوري كرة القدم الأمريكية وذلك بعد منع دونالد ترامب دخول مواطني بعض الدول إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وقيام دونالد ترامب بالتوقيع على أمر تنفيذي يحظر مطاعيم الأطفال لمدة 90 يوما.  واتضح فيما بعد أنها أحد المواقع المفبركة التي أنشأتها شركة فوكس للقرن العشرين.

تحقق

تحقق