تناقض التصريحات الرسمية حول أرقام الموازنة والدعم يربك أداء وسائل الإعلام

أكيد – حسام العسال

شاب التناقض وعدم الدقة في نقل الأرقام والتعبير عنها، أداء العديد من وسائل الإعلام في تغطيتها لتفاصيل الدعم الحكومي المدرج ضمن مشروع قانون الموازنة العامة، وكان عدم الدقة في التصريحات الرسمية والحكومية سبباً مهماً في تناقض المعلومات، ما أربك وسائل الإعلام وأوقعها في شرك عدم المصداقية.

وكان وزير المالية عمر ملحس قد ألقى أمام مجلس النواب خطاب مشروع قـانون الموازنة العامة ومشروع قانون موازنات الوحدات الحكومية للسنة المالية 2018، والذي تضمن إدراج بند شبكة الأمان الاجتماعي (الدعم النقدي لمستحقيه) بقيمة 171 مليون دينار ضمن ما قال عنه ملحس إنه "توجه الحكومة للتحول إلى دعم المواطن الأردني المستحق، بدلاً من دعم السلعة".

وحدد ملحس أسس توزيع الدعم بالشكل التالي:

  1. يشمل الدعم جميع الأسر التي لا يزيد إجمالي دخلها عن 12 ألف دينار سنوياً، و 6 آلاف للفرد.
  2. عدم امتلاك الأسرة سيارتين (خصوصي) أو أكثر، أو امتلاك الأسرة لإراضٍ أو عقارات تزيد قيمتها عن 300 ألف دينار.

وظهرت في وسائل الإعلام أرقاماً متناقضة لعدد الأسر المستحقة للدعم النقدي، إذ ذكرت يومية الرأي أن "5.2 مليون أردني يستحقون الدعم المقدر بـ 171 مليون دينار" مستندة بهذا الرقم إلى (مصدر مطلع)، فيما ذكرت وكالة الأنباء الأردنية "بترا" أن رئيس الوزراء هاني الملقي أوضح خلال اجتماعه مع رؤساء النقابات المهنية أن "التقديرات لعدد الأردنيين الذين سيتم ايصال الدعم لهم يبلغ خمسة ملايين و 125 الف مواطن".

وذكرت وكالة "بترا" أن وزير الصناعة والتجارة يعرب القضاة قال أمام اللجنة المالية لمجلس النواب "أنه اذا تم اعتماد معايير توزيع الدعم ستنطبق الشروط على 5.5 مليون مواطن أردني"، فيما نقلت يومية "الغد" عن الإجتماع ذاته أن القضاة أشار إلى أن "69 % من الأردنيين سيحصلون على الدعم النقدي، أي ما يقارب 5.2 مليون مواطن".

وذكر أحد المواقع الإلكترونية رقما ًجديداً لعدد المستفيدين بقوله "يمكن الإستنباط أن الحكومة حصرت الدعم بـ5343750 أردنياً من أصل أكثر من 10 ملايين مواطن أردني وبنسبة 53%"، وهنا يظهر أن الموقع ذكر أن عدد المواطنين الأردنيين هو 10 ملايين.

وتذكر الساعة السكانية في موقع دائرة الإحصاءات العامة أن عدد السكان يُقارب الـ (10,029,000) نسمة وهو الرقم الذي يشمل جميع السكان سواء كانوا أردنيين أو غير أردنيين، وذكر الإحصاء السكاني لعام 2015 أن عدد سكان الأردن هو 9531712 نسمة منهم 2918125 غير أردني.

ويظهر من الموقع ذاته أنه حدد نسبة عدد المستفيدين بـ 53 %، بينما النسبة التي ذكرتها الحكومة والمصادر الرسمية هي 69 % من المواطنين الأردنيين.

واختلط الأمر على بعض وسائل الإعلام حول مُسمى الدعم المدرج ضمن الموازنة العام، إذ ذكر خبر في أحد المواقع أنه "خصصت الحكومة، مبلغ 171 مليون دينار، بدلاً ماليا لإلغاء الدعم عن الخبز، وتعديل نسب ضريبية، لمواد غذائية وخدمات، حسب أرقام حكومية"، وهي الفقرة التي ناقضت عنوان الخبر ذاته "تخصيص 171 مليون بدلا لدعم الخبز"، ونشر موقع آخر مادة بعنوان "500 مليون دينار ضرائب جديدة على الأردنيين.. و171 مليون دعم نقدي بدل رفع الخبز".

يومية "الغد" كانت أكثر دقةً في تفصيل مبلغ الدعم، إذ ذكرت أن وزير الصناعة والتجارة بين للجنة المالية أن "قيمة هذا البند في موازنة العام المقبل نحو 171 مليون دينار، 70 مليونا منها لدعم الخبز، والباقي 101 مليون دينار لدعم رفع ضريبة المبيعات لبعض السلع المصنعة".

يُذكر أن وزير المالية قال أمام مجلس النواب أنه "تم تخصيص مبلغ 171 مليون دينار والذي يأتي تحت بند شبكة الأمان الاجتماعي (الدعم النقدي لمستحقيه)"، دون أن يقول أن المبلغ مخصص لرفع الدعم عن الخبز فقط.

وظهر تناقض آخر في عدد الأردنيين خارج الأردن، إذ نقلت وسائل إعلام عن الوزير القضاة الذي بين أمام اللجنة المالية لمجلس النواب أن  69% من الأردنيين سيحصلون على الدعم النقدي، أي 5.2 مليون مواطن من أصل 7.65 مليون مواطن، إذ أن 32 ألف أسرة أردنية تعيش خارج المملكة وفق ما ذكره القضاة"، فيما كانت دائرة الإحصاءات العامة أفصحت عن وجود 34951 أردنياً خارج الأردن وفقاً للتعداد السكاني لعام 2015.

وذكرت دراسة بعنوان "المغتربون الأردنيون: الفرصة والتحدي" أجراها منتدى الاستراتيجيات الأردني في آذار 2017 أن "عدد المغتربين الأردنيين يقدر بـ 782015 شخصا"، وسبق للناطقة الرسمية السابقة لوزارة الخارجية صباح الرافعي أن ذكرت لـ (أكيد) في شهر تموز الماضي أنه "بحسب الإحصائيات الخاصة بالوزارة للعام 2017 فإن عدد المغتربين الأردنيين هو 950 ألف مغترب".

وقالت الرافعي أيضاً لـ (أكيد) "أرقام المغتربين متغيرة وغير دقيقة ولا يمكن التأكد من فرضية عودة المغتربين للاستقرار أو قضاء الإجازة"، إلاّ أن الرقم الذي أعلنه القضاة بعيد بشكل كبير عن الدراسات والأرقام الرسمية، إذ أنه وفقاً لعدد الأسر الذي أعلنه فإن معدل عدد أفراد الأسرة المغتربة سيتراوح بين 24 و 30 فرداً وهو رقم غير منطقي.

 وظهر تناقض كبير في الأرقام وذلك في ما يخص قيمة الدعم المستحق عند توسيع شريحة الدعم أو شمول الأردنيين كافة بالدعم، إذ ذكرت يومية "الغد" أن الوزير القضاة بين أمام اللجنة المالية لمجلس النواب "في حال خفضت الحكومة من المعايير التي وضعتها كأن ترفع سقف عدد السيارات في الأسرة الواحدة إلى أكثر من سيارتين بدل أكثر من سيارة، فإن قيمة الدعم سوف تنخفض إلى 29 دينارا للفرد سنوياً، وفي حال أزالت الحكومة كافة المعايير وشملت جميع الأردنيين بتوزيع الدعم، فإن قيمته سوف تنخفض إلى 25 ديناراً للفرد سنوياً".

في المقابل ذكرت يومية "الرأي" وفقاً لما قالت أنه (مصدر مطلع) أنه "عند تقسيم ما يقارب 170 مليون دينار على عدد المستحقين فإن حصته ستصل الى ما يقارب 32 دينارا بدل الدعم، بينما اذا تم توسيع القاعدة لن يحصل على أكثر من 14 ديناراً"، وهو ما أبرزته العديد من المواقع في عناوينها بشكل بارز، وهنا يظهر التناقض بين قيمة الـ 25 ديناراً في حال شمول كافة الأردنيين بالدعم وفقاً للوزير القضاة، وبين قيمة 14 ديناراً في حال توسيع شريحة الدعم وفقاً لمصدر صحيفة الرأي.

ومن التفاصيل التي ذكرها الوزير القضاة أمام اللجنة المالية لمجلس النواب سرده لقصة الوافد المصري "وافد مصري تضمن مخبز قبل ثلاث سنوات ونصف في عين جنا بعجلون ، هذا الوافد اليوم يجوب شوارع عين جنا بسيارة لاند كروزر 55 ألف دينار حقها، مش من الخبز من تجارة الطحين (المدعوم حكومياً)، لا مش حرام، يحرم جلده".

مواقع إخبارية قالت أنها "تواصلت مع الوافد المصري الذي عناه القضاة بالقصة، والذي قال أنه يملك المخبز منذ 17 سنة ويعمل به هو وأبناؤه، وأن سيارته هي من نوع فورد بقيمة 12 ألف دينار، وجزء من ثمنها يتم دفعه بالأقساط، وأضاف الوافد أن الوزير اعتذر له بمكالمة هاتفية، وأخبره أن المعلومات الخاطئة مصدرها أحد المسؤولين".

مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) تواصل مع الصحافي في يومية "الرأي" والمتخصص بالشؤون البرلمانية محمد الزيود وسأله عن سبب وجود هذا التناقض في المعلومات في وسائل الإعلام في قضية الدعم الحكومي، فذكر الزيود أن "المسؤولين الحكوميين يقومون بإعطاء تصريحات مختلفة وأحياناً يتم تناول المعلومة ذاتها بين المسؤولين لكن بمصطلحات مختلفة (مثل عدد الأسر وعدد الأفراد)".

وأضاف الزيود أن "الحكوميين لا يلتزمون بالدقة عند التصريح، إذ أن المسؤولين يعطون أرقاماً تقريبية ومختلفة، وهنا يتم الإجتهاد أمام النواب بالحديث عن أرقام دون العودة للرقم الحقيقي والدقيق وهو ما يؤدي للتناقض والإختلاف".

وأعطى الزيود مثالاً حول عدم دقة تصريحات الوزراء بقضية عدد المستفيدين من الدعم الحكومي وتعدد الأرقام وعدم دقتها، واشتكى الزيود من عدم قدرة الصحافي على التحدث والاستفسار خلال اجتماعات اللجان النيابية بغرض التأكد من دقة معلومة معينة.

وذكر أن وسائل الإعلام حاولت التقصي حول بعض المعلومات مثل قصة الوافد المصري التي رواها الوزير القضاة أمام اللجنة المالية، فاكتشفت بعض المواقع عدم صحة رواية الوزير عند تواصلها مع الوافد.

وأشار الزيود إلى أن وسائل الإعلام تُعاني من عدم إعطاء المسؤولين الحكوميين المعلومة لوسائل الإعلام بشكل مباشر، وإنما يتم تزويد النواب بها بشكل مباشر، وعند سؤال الوزراء عن معلومات معينة عقب انتهاء جلسات اللجان فإن العديد من الوزراء لا يُجيبون طالبين الرجوع للنواب وسؤالهم.

ولاحظ مرصد (أكيد) أن جزءاً كبيراُ من الإختلاف في المعلومات وعدم دقتها مرده تصريحات الوزراء غير الدقيقة والتي أحياناً تكون غير صحيحة بتاتاً، وهو ما يعكس تردداً في إدارة ملف الدعم الحكومي لمستحقيه بدلاً من دعم السلعة، وعدم التمكن من تسويقه بالشكل الذي تُريده في وسائل الإعلام.

ويرى مرصد (أكيد) أن الإرتباك الحكومي في تزويد المعلومات لوسائل الإعلام والنواب والمواطنين لا يُعفي وسائل الإعلام من خطئها، إذ أن عليها تحري الدقة في نقل الأخبار، وبالأخص في القضايا التي تكون على تماس مباشر مع اهتمام المواطنين وعواطفه.

ويرى المرصد أن هناك جزءاً لا بأس به من الأخطاء تتحمله وسائل الإعلام ولا علاقة للوزراء به، وهو السلوك الذي يُنافي معيار الدقة الذي يُشدد على التزام وتحري المصداقية عند النشر، كما أن العديد من الوسائل لا تُجيد التعامل مع الأخبار التي تحوي الكثير من الأرقام والإحصائيات، الأمر الذي تجدر الإشارة له تلافياً لأخطاء شبيهة في المستقبل.

تحقق

تحقق