6 خطوات لجعل الصحافة عظيمة مرة أخرى

أكيد - ترجمة آية الخوالدة

إذا سمحت وسائل الإعلام التقليدية لنفسها بالدخول في نقاش الأخبار المزيفة، فسوف تهزم، وما دامت شركات شبكات التواصل الاٍجتماعي تسعى إلى رفع عائدات الإعلانات، فإن نظامها الحسابي "الخوارزميات" سوف يشجع الأخبار الزائفة، وبالتالي ستُضيع المؤسسات الإخبارية مواردها القيمة بهدف محاربة المعلومات الخاطئة والمضللة.

في نقاش حول مستقبل الصحافة، أصبحت "الأخبار الزائفة" محل اهتمام واسع، بسبب تنامي الوقائع بخصوص الرئيس الأميركي الغاضب دونالد ترمب، وبرامج الاتصالات الروسية، والمنافسة بين الخيانة والحيلة لجلب اهتمام الرأي العام. لكن في عصر تقلصت فيه الأرباح وتناقص فيه عدد المستهلكين، هل تشكل الأخبار المزيفة حقا أكبر تهديد تواجهه وسائل الإعلام التقليدية ؟

وفي بيئة أخبار تميل إلى الإفراط في نشر الإشاعة على نحو متزايد، من الصعب فصل الحقيقة عن محتوى مزيف ومنحرف يُنشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي. إن انتشار "برامج التتبع" - مثل برامج اٍلكترونية تنشر معلومات خاطئة ومضللة بشكل تلقائي - قد جعلت هذه الوقائع غامضة. وبما أن أساليب التلاعب تتضاعف، فمن المرجح أن يزيد الوضعُ سوءا. 

ومع ذلك فإن التركيز شبه المستمر على الأخبار المزيفة قد يشغل الكثيرين في هذا المجال عن التحديات الأكثر خطورة التي تواجه الصحافة المهنية. وقد أدى تآكل نماذج الأعمال التجارية والاعتماد المتزايد على الموزعين الرقميين من طرف ثالث - مثل فيسبوك وغوغل - إلى تقييد مؤسسات الأخبار وخفض أرباحها. والأسوأ من ذلك أن مستهلكي الأخبار لا يثقون بالمعلومات التي يتلقونها. وهذا يدل على أن المشكلة أكبر من الأخبار المزيفة.

في الواقع، لا تزال المنظمات الإعلامية الكبيرة والتقليدية تفوق شبكات التواصل الاجتماعي أهمية باعتبارها مصادر موثوق بها. وكما كشف تقرير صادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة الرقمية في 2017، أن 40٪ من المستهلكين يعتقدون أن  المؤسسات الإعلامية العريقة، منها على سبيل المثال "نيويورك تايمز"، تميز بين الواقع والخيال. أما بالنسبة لشبكات التواصل الاجتماعي، فإن هذه النسبة لا تتجاوز 24 ٪.

وهذا يعني أيضا أن 60٪ من المستهلكين يعتقدون أن وسائل الإعلام القديمة تُهمل الحقائق. وهذه الإحصائية وحدها ينبغي أن تكون سببا لقلق بالغ لدى الجميع في هذا المجال.

وفقا لهذا التقرير، الذي شمل استطلاع آراء نحو 70.000 مستخدم للإنترنت في 36 بلدا،  قال 29٪ من المستجيبين إنهم يتجنبون قراءة الأخبار بجميع أنواعها. وبالنسبة للكثيرين، يرجع ذلك إما لكون القصص السلبية التي ينشرها المنتجون مزعجة، أو لأنهم اعتبروا الإعلام منحرفا سياسيا وبالتالي غير جدير بالثقة.

بدون ثقة، لا يوجد مستهلكون، وبدون مستهلكين، لا يوجد عمل. وإذا كانت نتائج الاستقصاء تمثل الاتجاهات الأوسع نطاقا، فإن أحد أهم دعائم الديمقراطية في العالم، أي الصحافة الحرة والمفتوحة، في خطر.

وربما لم يكن ذلك مفاجئا، ففي العصر الرقمي، أثر انعدام الثقة على معظم المؤسسات الرئيسية، بدءا من الأحزاب السياسية والشركات الكبرى إلى المنظمات الدينية والجامعات. ويمكن أن يكون ذلك علامة على وجود مواطنين لهم تفكير نقدي وأكثر استنارة؛ أو على الأرجح، يمكن أن يكون ردا على شعور يطغى عليه الإحساس بالعجز وبحق الاختيار في عالم معقد.

ولكن ما تغير بالنسبة لمنظمات الأنباء بفضل شبكات التواصل الاجتماعي، أنها لم تعد قادرة على محاسبة الأقوياء، بل على العكس من ذلك، فقد أصبحوا متقاربين مع النخب الإعلامية والسياسية والمالية، فيما انفصلوا عن هموم الناس العاديين. بعد أن أصبحت هدفا للغضب الشعبي، سوف تحتاج الصحافة إلى "تعطيل" نفسها لاستعادة المصداقية واسترجاع ثقة الجماهير.

وتحقيقا لهذه الغاية، ينبغي للمنظمات الإعلامية اتخاذ ست خطوات على الأقل. تتمثل الخطوة الأولى في وضع وسائل الإعلام برامج خاصة، بدلا من إهدار الموارد في السعي وراء برامج الآخرين.

التحقيقات الصحفية الدولية التي كشفت عن "وثائق باناما" ومستندات تحمل اسم "أوراق الجنة" هي أمثلة رائعة على الصحافة ذات الصلة والمثيرة للاهتمام، وهما معياران أساسيان يجب أن تتضمنهما جميع التقارير.

وتكمن الخطوة الثانية في تحمل الصحفيين المسؤولية تجاه قرائهم من خلال تحليل ما يقوم به الفاعلون الأقوياء، وليس ما يقولونه. وكما أشارت مؤخرا الصحفية مارغريت سوليفان في صحيفة واشنطن بوست الأميركية، فاٍن تغطية أنشطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ركزت بشكل كبير على كلماته، على حساب سياسته.

ثالثا، يجب أن يصبح الإعلام أكثر استماعا للرأي العام. إن تمييز الصحفيين بين "الإخبار" و"المراسلة من أرض الواقع" يسلط الضوء على حقيقة أن نسبة كبيرة من موظفي الأخبار لا يغادرون مكاتبهم أبدا. لا يقوم الصحفيون بذلك عن اختيار؛ بل يمكثوا أمام شاشات الكمبيوتر لأن شركاتهم تفتقر إلى الموارد، أو يتم إجبارهم على متابعة وتقديم تقارير عن التعليقات على تويتر. وهذا يعني أن سلوك الصحفيين هو مجرد شكل من أعراض مرض التحرير.

رابعا، يجب على المنظمات الإخبارية إشراك القراء، عن طريق التحدث معهم، وليس بإهانتهم، حيث غالبا ما تقود دورة الأخبار افتراضات حول ما قد ينال إعجاب المشاهدين أو القراء، وليس ما يحتاجونه فعليا. إن التنوع في غرفة الأخبار أمر ضروري لتوسيع نطاق تغطيتها.

خامسا، في الاندفاع نحو تجربة أشكال جديدة من قصص الأخبار، تنسى بعض شركات الإعلام مهمتها الأساسية. يجب على وسائل الإعلام بذل جهود أكبر لتعميق فهم قصص المتلقين، بدلا من القيام بمشاريع صارخة وباهظة الثمن.

وأخيرا، سيتطلب إعادة بناء الثقة تعريفا جديدا للأخبار نفسها، فعندما ينهمك المتلقي في الأنباء وتعقيداتها، لن يعيرها أي اهتمام. يجب على وسائل الإعلام تحفيز الناس على الاهتمام من جديد بالأخبار. على سبيل المثال: الأخبار الإيجابية ليست لها أية قيمة في مجال وسائل الإعلام الحديثة.

ويتمثل النهج الأفضل في جعل الأخبار أقل مللا،  وقد سعت شركات الإعلام المحترمة للاستفادة من الحقائق: النبأ المثير، والمقابلة الحصرية، وأسئلة التحقيق. فالحقيقة، مثل الثقة، هي عبارة عن بضاعة. ويعتمد مستقبل مجال الصحافة على تحقيق إنتاجية أفضل.  

* المقالة للكاتبة ألكسندرا بورشاردت، مديرة التطوير الاستراتيجي في معهد رويترز لدراسة الصحافة، ومنشورة بتاريخ 9/1/2018 في  Project Syndicate

تحقق

تحقق