ما هو دور صحافة الرأي النّزيهة والمُستقلّة؟

أكيد - ترجمة بتصرف أفنان الماضي



الرأي هو حكمٌ، أو وجهة نظرٍ، أو تقييم فكريّ منطقيّ مدعوم بالدليل والحجّة يغلّب أحد الجوانب لقضية ما. وبمجرّد أن يستقبل المتابع المعلومات الواردة في التقرير الإخباريّ وقد بنى عليها استنتاجه، يبدأ دور صحافة الرأي النزيهة والمستقلّة، بحيث يقدّم صحافيّو الرأي التحليلات المنطقيّة المثبتة بالأدلّة التي تُبرهن للمتابع صحّة القرار الذي اتخذه والحكم الذي أصدره.


صحافيّو الرأي أنفسهم قاموا باستنباط استنتاجاتهم من الحقائق والمعلومات المعروضة في الأخبار وعملوا على التحقّق من هذه الاستنتاجات بأنفسهم، ليقدّموها للمتابع جاهزة كأداة يستخدمها في إثبات وجهة نظره. إنّهم يمرنّونه على اتخاذ القرارات المبنيّة على الحجّة والدليل، ويقدّمون له الأدوات التي يستخدمها للدفاع عن توجّهه الذي تبنّاه بالحجّة القويّة.


أمّا إن كان المتابع من أصحاب الرأي الآخر، فلا زالت صحافة الرأي تقدّم له خدمة عبر تحدّيه فكريّاً، ولفت انتباهه إلى زاوية أوأكثر ربما لم يفكّر بها! فإمّا أن يعمل على تصويب وجهة نظره، أو يقوم بإثبات رأيه المغاير بحجّة ودليل أقوى. إنّ صحافة الرأي النّزيهة تساعد المتابع في ترتيب أفكاره والتأكّد من قراره. وفي بعض الأحيان تُقدّم حلولاً للمشكلات وتُعزّز النقاش وتثيره حول جوانب جدليّة. صحافيّو الرأي يصنعون بيئة تعجّ بالأفكار والأدلّة والحجج، وكلّها قابلة للتبنّي أو التحدّي عبر النقاش المنطقيّ المدعّم بالدليل. صحافة الرأي تُحصّن المتابع بالبرهان والحجّة.


صحافة الرأي ..


في المؤسّسات الصحافيّة ذات المسؤوليّة العالية يُعيَّن فريق عمل من الصحافيّين لجمع الحقائق والأدلّة الكافية لدعم جانب دون آخر ورأي تتبنّاه المؤسّسة تجاه قضيّة أو قضايا ما. أقلّ من 1% من الصحافيّين يحصلون على هذا التصريح للتعبير عن آرائهم، ويتمّ الإشراف عليهم من أعلى المستويات في مؤسّساتهم الإخباريّة. هذه المجموعة تلتزم بمعايير مهنة الصحافة وقيمها رغم انحيازهم لجانبٍ مُعيّن، لأنّ الهدف هو دعم وجهة نظر ورأي بالحجّة والدليل وليس بفرض التوجّه من دون تبرير، ولا لتحقيق مكاسب شخصيّة أو ماديّة، وإنّما الهدف هو مساعدة المتابعين على الاقتناع والتثبّت ممّا اتخذوه من أحكام وقرارات بهذا الاتجاه. إنّها خدمة تقدّمها صحافة الرأي للمتابعين من أصحاب هذا التوجّه، ونوع من استثارة الطرف الآخر ليقدّم حجّته وبراهينه بحيث يصنع هذا الحوار والجدل المنطقيّ حالة من الوضوح وإزالة الضبابيّة للأطراف كلّها.


أمّا صحافة الرأي التي تحاول أن تملي على المتابع رأياً دون حجّة وبرهان فليست بصحافة رأي نزيهة، بل هي صحافة تحثّه على التبعية العمياء. صحافة الرأي النزيهة لا تتابع  توجّهات المتابعين فتبرزها بهدف الحصول على التأييد وتحقيق أعلى المشاهدات، وهي لا تقدّم مجموعة من الافتراضات والاستنتاجات غير المثبتة والتي تقوم على المعتقدات والعواطف فقط. صحافة الرأي المسؤولة تستخلص الاستنتاجات من المعلومات والحقائق وتولي أهميّة للحقيقة كيفما كانت ولو خالفت بتوجّهها قدراً كبيراً من الجمهور.


ولا بدّ لصحافة الرأي أن تقع تحت عناوين عريضة تشير بوضوح إلى أنّ المحتوى هو رأي وليس معلومة مجرّدة كأن تُعنون بـ:   افتتاحية، أو عمود رأي، أو مفكّرة المراسلين، أو رسائل المحرّرين، أو تحليل إخباريّ، أو مراجعات نقدية، أو تعليق .


تاريخ صحافة الرأي


في القرن الثامن عشر كانت الصحف تابعة مُنحازة وتعجّ  بالآراء، ومدعومة من قبل الأحزاب السياسيّة، تعبّر عنها وتوجّه رسائلها للأعضاء والجمهور. وفي ثلاثينيّات القرن التاسع عشر حصلت نقلة نوعيّة حين برزت فكرة إنتاج صحيفةٍ زهيدة الثمن والذي يدفع عدداً أكبر من النّاس لشرائها، وهذا يعني فرض رسوم إعلانية مرتفعة على المعلنين للفوز بعرض إعلاناتهم على هذا العدد الكبير من القرّاء. ومن هنا ظهرت صحيفة Day’s New York Sun  وهي أوّل صحيفة زهيدة الثمن أدّى نجاحها إلى ظهور فكرة التغطية غير الحزبيّة.


لهذا فالقرار الأوّل نحو الحياد الإعلامي لم ينبع من منطلقٍ أخلاقيّ نبيل بل كان قراراً ربحياًّ محضاً! فالقاعدة نصّت على أنّ التخلّص من التبعية الحزبيّة يمكن أن يدرّ على المؤسّسة مزيداً من الأموال! وفي عام 1841 صدرت أوّل صحيفة فصلت التقارير الإخبارية عن كتابات الرأي وهي New York Tribune  ، وقد أطلق على صفحة الرأي اسم "صفحة الافتتاحيّة" والتي تُعنون بـ "رأي" وهي مقالة أو عمود يبيّن الرأي والتوجّه الفكريّ لكلّ صحيفة تجاه قضية ما أو عدّة قضايا راهنة، وقد استمرّ هذا الأسلوب إلى يومنا هذا .

 


بحلول أوائل القرن العشرين تمّ منح بعض الكُتّاب مساحة خاصّة، مع وضع صورهم الشخصيّة فوقها، لتنبيه القرّاء إلى أنّ هذا "مقال رأي" وليس تقريراً إخباريّاً. ومنذ ذلك الحين انتشرت فكرة أعمدة الصحف الشهيرة وكُتّاب الأعمدة النشطون الذين يحصدون آلاف وربما ملايين القراءات لكتاباتهم.


المصادر :
 
Lesson 5: News vs. Opinion | Stony Brook Center for News Literacy (digitalresource.center)
https://digitalresource.center/content/line-between-news-and-opinion
https://digitalresource.center/content/opinion-journalists

https://digitalresource.center/content/ethics-opinion-journalist
https://digitalresource.center/content/short-history-opinion-journalism

https://digitalresource.center/content/cable-tv-news-opinion-niche

https://digitalresource.center/content/value-opinion-journalism-and-how-spot-it

https://digitalresource.center/content/why-should-you-care-which-which

https://digitalresource.center/content/opinion-or-mere-assertion

https://digitalresource.center/content/summing-lesson-5

تحقق

تحقق