الرأي العام يدفع الحكومة لإلغاء وثيقة إعفاءات كبار موظفين

أكيد- أنور الزيادات

تسبب نشر وسائل إعلام ومواقع تواصل اجتماعي وثيقة مسربة حول قرار حكومي بإعفاء الموظفين من أية مبالغ تم تقاضيها قبل الأول من نيسان 2018، بتراجع الحكومة عن قرارها، ما يؤشر الى دور وسائل الإعلام في تصويب مسار قرارات حكومية  بالاتجاه الصحيح خدمة للصالح العام.

فقد قرر مجلس الوزراء الاثنين  14 أيار 2018 برئاسة رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي سحب قراره السابق المتعلق "بإعفاء جميع الموظفين بمن فيهم موظفو الفئة العليا من أية مبالغ تم تقاضيها قبل تاريخ الأول من نيسان 2018 على شكل مكافآت أو بدلات مهما كان نوعها زيادة عن الحد المسموح به وفقا لأحكام المادة 19 / ج من نظام الخدمة المدنية رقم 82 لسنة 2013"، واعتبار القرار لاغيا.

وتناولت أغلب المواقع القرار بعناوين متشابهة منها " الحكومة تتراجع عن إعفاء موظفي الفئة العليا من المبالغ التي تم تقاضيها، مجلس الوزراء يلغي قرار الصرايرة بإعفاء مسؤولين من بدل المكافآت، والغاء قرار اعفاء الموظفين من اي مبالغ تم تقاضيها قبل الاول من نيسان.

ونالت هذه القضية اهتماما كبيرا بعد نشر المواقع الإخبارية وثيقة تحمل نص القرار الاول  القاضي بإعفاء الموظفين، وتناولها الإعلام بشكل موسع من خلال الأخبار والتقارير القصيرة ،  كما شكلت مادة دسمة لرواد شبكات التواصل الاجتماعي.

ففي البداية تناولت مواقع محلية الموضوع وبالتحديد في 6 أيار من خلال نشر خبر بعنوان ,الحكومة تعفي كبار موظفيها من إعادة أموال في ذممهم ،مرفقا به وثيقة تحمل  شعار الموقع الإخباري، وجاء في الخبر "... ولم تحدد الحكومة المبالغ الكاملة المترتبة على كافة الموظفين طيلة سنوات خلت"، مشيرا الى أن الإعفاء "شمل موظفين من كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية منها وزارات التخطيط والخارجية والضمان الاجتماعي والداخلية والأحوال المدنية وبدرجات متفاوتة حيث ترتب على هؤلاء  التزامات مالية تجب اعادتها الى الخزينة العامة لأنها صرفت لهم على مدار سنوات عن بدلات المكافآت والمياومات والسفر والمشاركات وغيرها دون وجه حق".

وبعد ذلك نشر الخبر  بذات التفاصيل يوم 8 أيار بعنوان وثيقة: الخزينة تنزف وحكومة الاردن تعفي موظفين كبار من مبالغ مالية على موقع  لصحيفة الكترونية تصدر من لندن، واعادت مواقع محلية  نشر المادة الصحفية  كما هي .

ونشر موقع أخر الخبر في ذات اليوم  تحت عنوان "الحكومة تعفي مسؤولين من ملايين الدنانير .. وتفرض الضرائب على المسخمين" ، مشيرا الموقع الى أن مصدر الخبر وثيقة نشرها النائب السابق الدكتور أحمد الشقران، على صفحته على موقع فيسبوك وهي عبارة عن وثيقة الإعفاء الصادرة عن الحكومة.

ومن العناوين التي تابعت القضية: إعفاءات مالية لموظفي الفئة العليا، والملقي يمنح موظفي الفئة العليا  اعفاءات مالية ،هل اعفت الحكومة موظفين كبار من اعادة 600 الف دينار ؟حكومتنا الموقرة.. خذوا ما بجيوبنا ولكن لا تستغبونا!.. وثيقة، مصادر: إعفاء مسؤولين سابقين وحاليين من مبالغ البدلات والمكافآت.

كما تابعت وسائل الإعلام القضية من خلال إعادة نشر توضيح حكومي ومن العناوين " الحكومة تبرر إعفاء موظفي الفئة العليا ، الصرايرة: اعفاء المكافآت لصالح موظفين ومتقاعدين عجزوا عن الدفع".

 وتابعت مواقع اخبارية القضية من زاوية أخرى، بالحديث عن وجود خلاف داخل مجلس الوزراء ومن هذه العناوين "من الذي سرب وثيقة حساسة بتوقيع الصرايرة ؟،وكان هذا الخبر عبارة عن نقل لما نشر في صحيفة رأي اليوم التي تصدر من لندن تحت عنوان "الوزاري الاردني: دائرة الاتهامات بين نائبي الملقي تتسع والسؤال الدارج: من الذي سرب وثيقة حساسة بتوقيع الصرايره ؟"

وسعى مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) لاستطلاع أراء عدد من المختصين حول تعامل وسائل الإعلام مع هذه القضية، وما هو دور الرأي العام، وأثر تسريب الوثيقة على الحكومة وتراجعها عن قرار الإعفاء.

نبيل غيشان:تسريب الوثيقة أبرز تناقض الحكومة ودفعها الى التراجع عن القرار

وقال النائب نبيل غيشان ل"أكيد"، إن تسريب الوثيقة هو من جعل الحكومة تتراجع عن القرار ، فقد كشفت الوثيقة التناقض في قرارات الحكومة، ففي الوقت الذي تتجه الحكومة الى فرض ضرائب جديدة تقوم بإعفاءات لموظفين في الفئة العليا.

 وأشار الى أن الحكومة اكتشفت أن القضية أصبحت قضية رأي عام ، والناس أضحوا يلومون الحكومة التي ترفع الضرائب على الفقراء والمواطنين في حين تعفي كبار المسؤولين، وهو ما استدعى اتخاذ القرار الجديد.

وأضاف غيشان "ليست هذه القضية الأولى التي تتخذ تجاهها الحكومة قرارات خاطئة، فقد قامت العام الماضي باقتطاع ما نسبته 10 % من المبلغ الزائد عن ألفي دينار من الراتب الشهري لكل العاملين في القطاع العام الذين تزيد رواتبهم عن 2000 دينار، وتراجعت عن القرار شهر أذار الماضي".

أسامة الرنتيسي: التراجع أقرب لرشوة الرأي العام مع إقرار قوانين ضريبية جديدة

بدوره قال رئيس تحرير موقع الأول نيوز أسامة الرنتيسي ل"أكيد"، إن  قرار الحكومة كان بعد أن تنبهت للخطأ الذي ارتكبته، وتراجعها عن القرار هو "أقرب لرشوة الرأي العام خاصة وأنها مقبلة على اقرار  قوانين ضريبية جديدة، تمس أغلب المواطنين".

وأضاف أن "التراجع وقع بدون ضغط حقيقي من الرأي العام، فلم يتم خلق رأي عام ضاغط  يثني الحكومة عن قرارها، وهذه القضية لم تتناول بشكل كبير من وسائل الإعلام أو حتى مواقع التواصل".

وقال استاذ العلوم السياسية الدكتور جمال الشلبي، إن "عملية التسريب لم تكن بريئة، فهناك أجنحة متصارعة داخل الحكومة وهذا القرار كان موقعا من نائب رئيس الوزراء وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء المهندس جمال الصرايرة".

وأضاف "تسريب الوثيقة جعل الحكومة بموقف محرج فهي بالوقت الذي تطالب المواطنين بشد الأحزمة، تقوم بإعفاء أصحاب النفوذ وكبار الموظفين"، مشيرا الى أن الإبقاء على هذا لقرار كان سيجعله مثل "مسمار جحا" عند اتخاذ أي قرار فكان الخيار الأسلم للحكومة سحب القرار واعادة المسار الى مجراه الطبيعي.

وتابع في تصريح ل"أكيد"، ان "التراجع عن القرار وسحبه لم يحصل بدافع ذاتي من الحكومة بل استجابة للرأي العام الذي خلقته وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي".

ومن الملاحظات على الأداء  الإعلامي حول هذه القضية اختلاف التقارير حول القيمة الحقيقية للإعفاء والتي تباينت من موقع الى أخر، فبعض المواقع اشارت الى مبلغ 600 الف دينار، ومواقع اخرى أشارت الى ان قيمة المبلغ تصل الى 582 الف ينار، فيما قدرتها مواقع ب300 الف دينار.

وأشارت بعض التقارير الى أن المستفيدين من الإعفاء شخصين، فيما تقارير أخرى أشارت الى أن الإعفاء يشمل 16 شخصا.

وحاولت بعض وسائل الإعلام تجيير سبق نشر الوثيقة لصالحها، وتبين لمرصد "أكيد" أن أول نشر كان بتاريخ 6 أيار ثم توالى النشر على المواقع، كما نسبت مواقع إخبارية سبق نشر الوثيقة لنائب سابق على صفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولا زالت مواقع ووسائل إعلام خارجية، مصدرا مهما للمواقع الإخبارية المحلية رغم أن القضية ذات طابع محلي، وهو مؤشر سلبي على تقاعس الإعلام المحلي أحيانا في متابعة القضايا المحلية المهمة، فيما تداخلت الآراء أحيانا مع المادة الخبرية.

تحقق

تحقق