صانع الأكاذيب: حالة من الواقع

ترجمة بتصرّف: رشا سلامة

  يرتشف كريستوفر بلير قهوته، ممعناً النظر في إحدى الشاشات الثلاث الموجودة في مكتبه بالمنزل، الواقع على بُعد 45 دقيقة من بورتلاند على الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية.

يمسك بلحيته الكثّة ويُخرِج زفيراً عميقاً، فيما هو يدقّق في أحد المواقع الإلكترونية ويهمّ باختيار موضوع ما. يتساءل: أي سياسي سيكون محظوظاً اليوم لأتناوله؟ بيل كلينتون؟ هيلاري كلينتون؟ أوباما؟ أو ربما موضوع يتناول السياسة وليس الأشخاص، من قبيل السيطرة على السلاح؟ وحشيّة الشرطة؟ النسويّة؟.

يُصوّب بلير نظره نحو الشاشة، فيما هو يطبع: "عاجل: ضُبِطت سفينة تابعة لمؤسسة كلينتون في ميناء بالتيمور وهي تحمل المخدرات والبنادق وعبيد الجنس".

الكلمات تنثال، من دون أن يكون هناك داعٍ للبحث. يخرج بتدوينة من حوالي مائتي كلمة. يُسند ظهره للوراء بارتياح، فيما هو يشاهد علامات الإعجاب والمشاركة تتوالى.

 

مدقّق المعلومات

على بُعد أكثر من 3000 ميل، في بلدة صغيرة تبعُد ساعة عن العاصمة البلجيكية بروكسل، ثمة مكتب آخر في منزل عائلي آخر.

يعتلي مارتن شينك الدرجات الحادة الموصلة لمكتبه الشبيه إلى حد ما بمكتب بلير. يلفت نظره دفق الأرقام ضمن قصة تتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وظيفة شينك هي كشف الأخبار الملفقة، ومنها خبر مؤسسة سفينة كلينتون. يميط شينك اللثام عن الحقيقة ويخبر العالم أن الحكاية مفبركة بالكامل.

 

الأخبار الملفقة في سباق الرئاسة الأميركية

إبّان الحملات الانتخابية الأميركية في العام 2016، لاحظ الصحافيون توارُد سلسلة من القصص المُختلَقة والفيروسية على صفحات موقع "فيسبوك".

ولعل الغريب آنذاك أن عدداً من هذه الأخبار كان يُنشر من قِبل أشخاص في منطقة البلقان. وبعد أن أبلغ موقع BuzzFeed عن مجموعة من هذه الصفحات غير المعتادة، توافَدَ المراسلون على بلدة صغيرة تُدعى "فيليس" في مقدونيا.

"الأميركيون يُحبّون قصصنا ونحن نجني الأموال منهم"، يقول أحد المزوّرين لـ "بي بي سي"، متسائلاً "من يهتمّ ما إذا كانت القصص حقيقية أم لا؟".

الأخبار المفبركة، في المقام الأول، كانت بنكهة أنصار دونالد ترامب، وانطوَت على شائعات حول المشاكل الصحية التي تواجه هيلاري كلينتون والمعاملات غير القانونية. 

في ديسمبر 2016، ألقت هيلاري كلينتون خطاباً انتقدت فيه "وباء الأخبار الملفقة والدعاية الكاذبة" عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قائلة "بات من الواضح الآن أن الأخبار الملفقة يمكن أن تفرز مخرجات للعالم الحقيقي".

لم يكن واضحاً في تلك اللحظة أنها تشير للعملية الانتخابية. في وقتها، فسّر بعض الصحافيين ملاحظاتها على أنها إشارة إلى PizzGate، وهي نظرية مؤامرة تنامت إلى نسب هائلة عبر الإنترنت ودفعت رجلاً إلى اقتحام مطعم في واشنطن وتنفيذ هجوم مسلّح هناك.

لكن بغضّ النظر عمّا عنته كلينتون، فقد استخدِمَ المصطلح من قِبل خصمها المنتصر بشكل مختلف تماماً بعد مدة؛ فخلال مؤتمر صحافي، رفضَ ترامب سؤالاً من مراسل شبكة "سي إن إن" جيم أكوستا، قائلاً "أنتم أخبار ملفقة".

ومنذ ذلك الحين، بات مصطلح "أخبار ملفقة" موضوعاً للهوَس والمناظرات السائدة.

يُصرّ البعض على التعريف الأصلي للقصص الملفقة، أي أنها الأخبار التي يُطلِقها المراهقون إياهم في مقدونيا، فيما يذهب البعض الآخر لنظريات المؤامرة ذات الدوافع السياسية، تماماً كقناعة هيلاري كلينتون.

لكن ثمة من استخدم مصطلح "أخبار ملفقة" لوصف الأخطاء المهنية من قبيل إقحام الرأي والدعايات في متون المواد الصحافية.

 

كريستوفر بلير على ضوء السيرة الذاتية

قضى بلير أكثر من عقدين من عمره كعامل بناء، وهو ما استنزفَ جسده أيما استنزاف.

قبل أعوام، حين ألمّ الركود الكبير بالبلاد وقطاع مهنته أيضاً، بات يبحث عن مصدرٍ آخر للدخل فاتّجه للتدوين. لكن بلير اكتشف أن التدوين لا يصنع المال. لذا، بدأ بكتابة قصص مفبركة ترتدي لبوس المواد الإخبارية الحقيقية.

حين شاهدَ مئات الـ "لايكات" والمشاركات لقصصه الملفقة والمفبركة، مقارنة بالإقبال الضعيف على ما كان يكتبه بهويّته الحقيقة من تدوينات وتجارب وقصص، اتجه نحو الإعلانات؛ لتحويل مشاهدات الصفحة إلى أموال، كما استخدمَ عشرات الأسماء المستعارة مثل "بوستا ترول" و"فلاج إيجلتون".

وكان يتناول شخصيات سياسية أميركية وأخرى ليبرالية ونسوية وحركات من قبيل "حياة السود تهمّ" وغيرها الكثير، وكان سعيداً بأولئك الذين أخذوا الأكاذيب على محمل الحقائق وشاركوا القصص كما لو أنها انبثقت عن مواقع إخبارية حقيقية.

توالى نجاح بلير في مسعاه، فأسمى صفحته عبر الإنترنت "خط الدفاع الأخير لأميركا"، وكانت مُخصّصة للقصص الإخبارية المفبركة التي تستهدف الجمهوريين والمؤيدين لترامب.

العناوين كانت حساسة وفي بعض الأحيان عدوانية. وكان لديها هدف واحد فقط هو استدرار العاطفة؛ لأجل مزيد من المشاركات. من قبيل:

عاجل: غرفة تعذيب في قبو بيل كلينتون تدعى "غرفة الفتل".

عاجل: قدّيسو نيو أورليانز الذين تقطّعت بهم السبل على مدرج المطار في لندن بعد أن انطلق الطيّار.

بلير نفسه يصف العناوين التي يكتبها بأنها "عنصرية ومتعصّبة"، مستدركاً أنها انتشرت بسرعة البرق وتحوّلت لأرباح.

 

ماكينة فضح الزيف

بالعودة إلى بلجيكا، أنشأ مبرمج الكمبيوتر مارتن شينك برنامجاً يُمكّنه من كشف القصص المفبركة على "فيسبوك"، أسماه Trendolizer ، لكنه ناضلَ من أجل الحصول على جمهور، كما كان ندّاً لبعض أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم.

"مجرد أنها رائجة، لا يعني أنها حقيقة".. شعار مدوّنة مارتن شينك.

حين بدأ بكشف القصص المفبركة تزايدَ الإقبال على مدوّنته، لكنه لا يحصد المال ولا الإقبال كما بلير.

لاحظَ شينك أن ثمة ممارسات روتينية في هذا الصدد، من قبيل توالي الأخبار كل سبت عن وفاة مرشّحة الحزب الديموقراطي في حادث بالونات أو تحطُّم قارب أو أزمة قلبية أو ضرب على الرأس.

وفي خضمّ كشفه التلفيق والزيف، بات لدى شينك قاعدة بيانات عن المفبركين عبر الإنترنت، ما تسبّب بحذف بعض مواقعهم الإلكترونية وصفحاتهم على "فيسبوك".

وكان يلحظ أن المصدر واحد في أغلب الأحيان، وهو كريستوفر بلير؛ ذلك أن كثيراً من المواقع المختصة بالأخبار المفبركة تكتفي بالنسخ واللصق.

ويُقدّر شينك، الذي لا ينفكِ يُطوّر أدواته في كشف الأخبار الملفقة وتفنيدها، أن هناك حوالي مائتيّ منظمة حول العالم متخصصة في التحقق من المعلومات "لكنها ليست كافية"، بحسبه، معقّباً "طالما أن هناك إمكانية للربح، سيواصل المفبرِكون المحاولة وسيكتشفون المزيد من الطرق الالتفافية".

 

المفرزات على أرض الواقع

في أغسطس 2017، ضرب الإعصار "هارفي" تكساس وقتلَ العشرات، متسبّباً بخسائر في الأرواح والمليارات في هيوستن وما يحيط بها من مناطق.

شعرَ بلير أن الفرصة مواتية لأخبار ملفقة، فخرَجَ بخبر مفبرك يقول فيه إن إمام مسجد في تكساس رفضَ السماح بإيواء غير المسلمين أثناء العاصفة.

كانت القصة ستشعِل حماس القاعدة الجماهيرية لبلير، لكن ثمة مشكلة لم يتنبّه إليها وهي أن الصورة المرفَقة بالخبر الذي كتبه كانت لإمام مسجد في كندا.

"اكتشف الأمر وغضِب كثيراً"، يقول بلير، مكملاً "توالت التغريدات عبر تويتر عن عنصريتنا ورهابنا من الأجانب، فأزلت الخبر فوراً وأرسلت له مليون اعتذار".

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي يتورّط فيها أناس بأكاذيب بلير؛ ذلك أنه ساقَ حكاية مفبركة عن جندي أميركي كان هارباً، بيد أنه أرفق صورة لشخص حقيقي لا علاقة له بالأمر.

لاحظَ حينها شينك، في بلجيكا، انتشار هذا الخبر الملفق بسرعة لافتة، واكتشف زيفه وزيف الصورة المرفقة به، فأرسل إلى بلير طالباً منه إزالته، لكنهما واصلا تبادل الرسائل عبر الإنترنت، وهناك كشف بلير عن سرّه والسبب الحقيقي وراء كتابته الأخبار الملفقة.

أحبّ بلير أن شينك قد اتصل به. يقول إن المواقع الأخرى التي تقوم بالتحقق من المعلومات تكشف المحتال، لكنها لا تتحدث معه أبداً قبل أن تفعل ذلك.

 

"فكرة مجنونة"

في أوائل العام 2017، راجَ الحديث عن الأخبار المفبركة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن هذا لا يعني أن القائمين على هذه المنصات قد حرّكوا ساكناً.

وسَخِرَ الرئيس التنفيذي لـ "فيسبوك" مارك زوكربيرج من التصوّر القائل بإن القصص المزيفة يمكن أن تؤثر على الناخبين، ناعتاً ذلك بـ "الفكرة المجنونة".

ومع ازدياد الوعي العام بالقصص المفبركة الآخذة بالانتشار، ازدادَ الضغط على شبكات التواصل الاجتماعي للقيام بشيء ما حيال ذلك. عادَ زوكربيرج للقول حينها إن التحدي الشخصي الذي يواجهه في 2018 هو "إصلاح الموقع من أجل مناهضة الكراهية وسوء المعاملة والاخبار الملفقة".

في أبريل من العام 2018، تم استدعاؤه أمام الكونجرس للإجابة على مجموعة من الأسئلة حول عدد من القضايا، من بينها الأخبار الملفقة. نتيجة لذلك، أعلن "فيسبوك"، في يوليو، عن وجود تغييرات في الخوارزمية من بينها "حماية المستخدمين من الأخبار الملفقة والبيانات سيئة الاستخدام".

بالنسبة لبلير، بات الدخل يتراجع؛ نظراً لسياسات "فيسبوك" الجديدة. يقول إنه يصنع حالياً أرباحاً قليلة مقارنة بالفترة التي ازدهرت خلالها الأخبار المفبركة، مستدركاً أن المال لم يكن المحرّك الأساسي له أبداً، بل هو "قائد المقاومة" ضد الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري. "أنا لستُ وحشاً، أنا ليبرالي والهدف ليس المال"، بحسب ادّعائه.

 

رابط المقالة الأصلي على موقع "بي بي سي":

تحقق

تحقق