لماذا نُصدّق الأخبار المفبركة؟

ترجمة بتصرّف: رشا سلامة

  أكيد- لعلّنا، جميعاً، نجزم بالأثر السلبي للشائعات، لا سيما مع تزايدها في الآونة الأخيرة ورواجها، بل ووصولها لمستويات حسّاسة.

كُثر منا، في غمرة رغبتهم مشاركة منشور ما، لا يُدقّقون مدى المصداقية والمنطقية في ما ينقلون. وفي الغالب، يتمتع من كانوا على سوية علمية وثقافية جيدة بمزيد من الحساسية حيال الأخبار المفبركة، فيكونون أكثر حذراً من أولئك الذين يتمتعون بمنسوب أقل من الوعي والاطّلاع.

بالإضافة للعامل الآنف، فإن الأشخاص الذين يعانون الملل والبطالة، وكذلك من بدأوا يتعاملون للتوّ مع وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الأخبار، يكونون أكثر عرضة لتصديق الأخبار المفبركة وترويجها. لكن هناك فئة أخرى: من ينشرون الأخبار المفبركة ويتداولونها برغم علمهم المسبق أنها ليست صحيحة؛ مدفوعين بأجندات معينة تتحقّق عند رواج هذه الشائعات.

وثمة من يفتقرون للشخصية الاجتماعية السويّة، فيجنحون نحو ترويج هذه الأخبار؛ لخلق حالة من التفاعل أو الغضب أو اللغط لدى الآخرين.

لماذا نسقط في فخّ الأخبار المفبركة؟ ثمة شيء موجود لدينا يُطلَق عليه "التحيّز المعرفي"، ومعناه أن المتلقّي يميل لتصديق المعلومات الأكثر شهرة ورواجاً، من دون التدقيق في مدى منطقيّتها ومصداقيتها.

ولعل التحزّبات والتحيّزات هي ما يمنح متسعاً للأخبار المفبركة بالتسلّل، لا سيما حين يكون الخبر صحيحاً جزئياً لكن ثمة بعض الفبركة في تفاصيله؛ إذ إن استخدام بعض الحقائق ومن ثم بناء تفاصيل مفبركة فوقها يجعل منها أكثر عرضة للتصديق. ويميل الخبراء لقناعة أن الدمج بين الحقيقة والفبركة، بطريقة ذكية وبتكنيك مدروس، يجعل الخبر المفبرك أكثر رسوخاً في الأذهان، حتى وإن صير لتصحيحه لاحقاً؛ إذ إن الخلل المتأتّي عن هذه الفبركة قد حدَث وانتهى الأمر.

وقد أظهرت الدراسات، أن الأخبار، بما فيها المفبركة، التي تثير الغضب والانفعال والأسى والحزن هي أكثر ميلاً للرواج من تلك التي تبعث على السعادة والمفاجأة، كما يميل المرء لتصديق الأخبار المفبركة التي تتفق وقناعات سابقة لديه، وهو هنا يجنح نحو إثبات أن وجهة نظره في أمر ما أو قضية معينة هي الأدقّ، وأن من لا يتفق معه يعاني من عدم المنطقية ومن التحيّز.

وثمة منا من يشعر بالمسؤولية حيال عائلته وأصدقائه، فيميل لترويج الأخبار التي تنطوي على تحذيرات بعينها، والتي قد تكون مفبركة كذلك الأمر.

لجنة الاتصالات والوسائط المتعدّدة الماليزية كانت قد قالت إن الماليزيين يستقون معظم أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم ما زالوا غير قادرين على تحديد ما إذا كان الخبر صحيحاً أم مفبركاً.

وكانت اللجنة قد أوصت المؤسسات الحكومية بضرورة التحرّك لتصحيح هذه الشائعات والأخبار المفبركة، وتحديداً عبر موقع "فيسبوك" وتطبيق "واتساب".

وتقول اللجنة إن تحسّناً بدأ يطرأ على القدرة على تقييم الأخبار، لكن ما يزال الدرب طويلاً ويحتاج لكثير من العمل والتوعية، وتحديداً لدى من يستخدمون الإنترنت في المناطق النائية.

ولعلّ تطبيق "واتساب" الآن يُشكّل تحدّياً قائماً بحدّ ذاته؛ لإمكانية خلق الأخبار المفبركة وترويجها بسرعة وسهولة لافتتين عبره.

ولعلّ مصطلح "troll"، الذي يرمز لكائن أسطوري في المغارات في الفلكلور الإسكندنافي، لَهُوَ التوصيف الأقرب للشخص الذي يصنع لغطاً وأخباراً مفبركة ومغلوطة عبر المنابر الإلكترونية؛ لاستدرار مشاعر الآخرين وانتباههم.

ويتطلّب داء الشائعات والأخبار المفبركة، المستشري بقوة مؤخراً، من الحكومات، مزيداً من الجدّية في التعامل معه، بالإضافة لضرورة نشر التوعية الإعلامية بين الجماهير؛ ليكونوا قادرين على تقييم درجة مصداقية الأخبار التي يتلقّون.

عليك أن تفكّر مليّاً قبل أن تضغط على زر "إرسال" أو "مشاركة" لخبر ما عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وعليك الانتباه أن هناك أخباراً حقيقية فعلاً، لكنها قد تكون منتزَعة من سياقها أو قديمة.

ولعلّ الحل عند الارتياب من صحة خبر ما، أن تُجري تدقيقاً عليه عبر محرّكات البحث، وحين تشعر أن خبراً ما قد وصلك ينطوي على شيء من التضليل أو عدم الدقة، فعليك حذفه على الفور والشعور بكثير من الراحة جرّاء ذلك؛ لأنك ستكون قد أسهمت في تقليل مشاعر الكراهية والغضب والشكّ، التي تسود في هذه الأيام.

 

تحقق

تحقق