إعلانات لـ "المتبرّعين" تستخدم صور أطفال مرضى وفقراء.. و"أكيد" يقترح الممارسة الفضلى

أكيد – رشا سلامة -

     يحضر الطفل في عدد لافت من الإعلانات الرمضانيّة ذات الطابع غير التجاري، بل ذاك الذي يستهدف "المتبرّعين ومُقدّمي الزكاة"، ليظهر هؤلاء الأطفال في حالات إنسانيّة حرجة من قبيل الإصابة بأمراض مزمنة، أو حالات فقر مدقع، ما يطرح سؤال المعايير المهنيّة والأخلاقيّة في هذه الإعلانات، وكيفيّة  تعامُل القوانين الخاصة بالطفولة مع حالات كهذه.

يسعى "أكيد"، في هذه المادة، لاستطلاع آراء مختصّين في الجانب القانونيّ والأخلاقيّ، وفي التغطيات الإعلاميّة المتعلقة بالطفل، وفي التسويق، مع اقتراح ممارسات فضلى في هذا الشأن، على ضوء ما سبق.

"منطقة رماديّة" يجري استغلالها

يقول الصحافي يحيى شقير، المختصّ بالتشريعات الإعلاميّة، إنه "لا يوجد ميثاق خاص في الأردن يتناول استغلال الأطفال في الإعلانات، بَيدَ أنّ الاردن طرف في اتفاقيّة حقوق الطفل الخاصة بالأمم المتحدة، وإن لم يرَ قانون الطفل الأردني النور بعد".

في حالة كالآنفة، وهي غياب مواثيق وقوانين واضحة في هذا الصدد، "أي هذه المنطقة الرماديّة"، كما يصفها شقير، "فإنّ الأخلاقيّات تغطّيها. وإلى جانب هذه الأخلاقيّات، لا بد من اجتراح مواثيق شرف خاصة بالمعلنين، أو على الأقل الإفادة من بعض هذه المواثيق الموجودة في دول أخرى من قبيل عدم عرض إعلانات تزيد عن 12 دقيقة خلال الساعة الواحدة، ومنع استهداف الأطفال دون 12 عاماً بأيّ إعلانات كما هو معمول به في السويد والنرويج، والاسترشاد بتوجيهات اليونسيف حول تغطية أخبار الطفل والقياس عليها في ما يتعلق بالإعلانات".

يضيف شقير: هناك معايير أخلاقيّة يجب أن يبقيها المُعلِن نصب عينيه، مثل "رضا الطفل ورضا والديه، وألاّ يكون هنالك امتهان لكرامة الطفل  أو استغلال لضعفه الإنسانيّ، وألاّ يكون هنالك توظيف للطفل لتمرير رسائل تجاريّة أو غير تجاريّة تنطوي على استغلال لبراءته".

يسوق شقير مثالاً عن ضرورة القياس في ظل غياب القوانين ومدوّنات السلوك، بقوله: "يمنع قانون الصحة العامة الإعلان عن مشروبات روحيّة أو دخان، وبالتالي نقيس عليها أنه لا يصحّ لا للكبير ولا الصغير عمل إعلانات بهذا الخصوص، ويمنع القانون الإعلان عن أدوية وأغذية قبل أن تجيزها وزارة الصحة، فبالتالي لا يُشارك في هذه الإعلانات غير المُجازة لا الصغير ولا الكبير".

ويدعو شقير لـ "تحكيم مصلحة الطفل"، حتى في الحالات التي يُجاز فيها الإعلان عن منتج ما أو يكون ثمة هدف خيري للإعلان، موضحاً "إن كان هناك أي شكّ أن عرض الطفل بحالة ضعف إنسانيّة معينة قد يتسبّب بأذى نفسي أو اجتماعي له، ولو بعد أعوام، فيجب تغليب مصلحة الصغير. وحتى في الإعلانات المجازة مثل دعاية منتج غذائي صحي للأطفال، فإنّ المقارنة في الإعلان بين طفل  وآخر يعاني الجوع هي مقارنة غير أخلاقيّة وفيها إحراج للفقراء وغير القادرين، وفيها مسّ بكرامة الأطفال الفقراء والجوعى، برغم أن المنتج مُجاز".

يصطلح شقير على استغلال الأطفال في الإعلانات الخاصة بالتبرّعات، وحتى تلك التجاريّة، "القصف الإعلاني"؛ لشدة تكرارها وتكريس المخالفات التي تحدث فيها في مرات، وهو ما تذهب إليه الصحافيّة المختصّة بتغطية شؤون الطفل نادين النمري، قائلة: "إن كان البعض يرى أنّ عرض صورة طفل في حالة إنسانيّة خاصة هو في مصلحة الفئة التي يمثّلها؛ لأهميّة الصورة في نقل المعاناة، فإنه لا يصحّ إغراق السوق الإعلاني والإعلامي بهذه المَشاهِد بحيث يألفها المتلقي فلا تعود تؤثر به".

تقول النمري إنّ الاحتكام في هذه الحالة لا بدّ أن يكون لـ "هدف الإعلان والمُعلِن ومدى كونه سامياً، بالإضافة لضرورة إبقاء المُعلِن إجابة هذا السؤال أولويّة بالنسبة له: هل يعمل هذا الإعلان على تحسين سويّة حياة الطفل وظروفه، أم يتسبّب بإحداث أضرار نفسيّة واجتماعيّة له ولو بعد حين؟".

غياب النصّ القانوني

وتحقّق "أكيد"، بدوره، من عدم وجود نصوص قانونيّة تتحدّث عن استغلال الطفل في الإعلانات، التجاريّة وغير التجاريّة، فيما يرِد في بعض فقرات القانون "منع استغلال الطفل"، فحسب:

في ما يتعلق باتفاقية حقوق الطفل الخاصة باليونسيف، يرِد التالي: "تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير التشريعيّة، والإداريّة، والاجتماعيّة، والتعليميّة الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف، أو الضرر، أو الإساءة البدنيّة أو العقلية، أو الإهمال، أو المعاملة المنطوية على إهمال، وإساءة المعاملة أو الاستغلال".

ويرِد كذلك: "تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصاديّ ومن أداء أيّ عمل يرجح أن يكون خطيرا أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضارا بصحّة الطفل أو بنموّه البدني، أو العقلي، أو الروحي، أو المعنوي، أو الاجتماعي".

وفقاً للوارد في مشروع قانون حقوق الطفل في الأردن، والذي لم يُقرّ بعد، يرِد أنه "‌يُحظَر على والديّ الطفل أو أيّ من أفراد أسرته، أو أي شخص أخر يقوم على تربيته أو رعايته إهماله أو استغلاله اقتصاديّا أو جنسيّا، أو إساءة معاملته أو تعريضه للتعذيب، أو معاملته معاملة قاسية، أو الحطّ من كرامته الإنسانيّة أو احتجازه أو منع الطعام عنه، أو القيام بأيّ عمل أو تصرّف من شأنه التأثير على النموّ السليم للطفل عاطفيّاً، أو بدنيا، أو نفسيا، أو صحيا، أو عقليّا، أو اجتماعيّا، تحت طائلة الملاحقة والمسؤوليّة القانونيّة"، و"للطفل الحق في الحماية من جميع أشكال العنف أو الإساءة، بما في ذلك الإساءة البدنية أو العقلية أو الجنسية أو العاطفية، أو الضرر أو الإهمال أو الاستغلال الجنسي أو الاقتصادي، أو إساءة المعاملة أو غيرها من الممارسات غير المشروعة، وذلك تحت طائلة المسؤوليّة الجزائيّة لمن يثبت بحقه ارتكاب أيّ من هذه الأفعال بصرف النظر عن صلة قرابته بالطفل".

ويرِد في ميثاق الشرف الصحفي الأردني: "يلتزم الصحفيّون بالدفاع عن قضايا الطفولة وحقوقهم الأساسية المتمثلة بالرعاية والحماية. ويراعون عدم مقابلة الأطفال أو التقاط صور لهم دون موافقة أولياء أمورهم أو المسؤولين عنهم ، كما لا يجوز نشر ما يسيء إليهم أو لعائلاتهم، خصوصا في حالات الإساءة الجنسيّة سواء كانوا ضحايا أو شهودا. ويلتزمون برعاية حقوق الفئات الأقلّ حظا وذوي الاحتياجات الخاصة".

التسويق يستهدف العاطفة ولا مدوّنة سلوك ناظمة

يقول الدكتور هاني الضمور، أستاذ التسويق في الجامعة الأردنيّة: لا بدّ من اجتراح مدوّنة سلوك أخلاقيّة؛ "لضمان التعامل الأخلاقي مع المرأة والطفل، على السواء، في حقل الإعلان والتسويق".

يُقرّ الضمور بوجود "تجاوزات تتمثل في استغلال الطفل والمرأة في الإعلانات التجاريّة وغير التجاريّة"، ومردّها "اللعب على وتر العاطفة لدى المتلقّي، وهذا من بين ما يمارسه المسوّقون في مرّات متغافلين عن الناحية الأخلاقيّة"، مضيفاً أنّ الجانب العلمي في التسويق "يصبّ اهتمامه على كيفيّة لفت انتباه المتلقي والتأثير عليه، بصرف النظر عن مدى أخلاقيّة الأدوات المستخدَمة".

يقترح الضمور في هذا الصدد "تصوير فيلم وثائقي عن معاناة أطفال ما، عِوضاً عن جلب أطفال يمثّلون - حقيقة أو افتعالاً -  إعلاناً عن معاناة ما"، قائلاً إنه سيكون لهذا الفيلم "صدى وموثوقيّة ومصداقيّة لا يتمتع به الإعلان في مرّات كثيرة".

ويُقرّ الدكتور محمد عبيدات، رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك، بعدم وجود مدوّنة سلوك أخلاقيّة ناظمة لسوق الإعلان في الأردن، موضحاً: "كلٌ يعمل على راحته وكيفما يتفق ومصلحته، وهذا بادٍ في تعامل الوسائل الإعلاميّة مع الإعلان بشكل عام، والذي يستخدم الأطفال أو يستهدفهم بشكل خاص".

يهيب عبيدات بـ "الجهات الإعلاميّة والإعلانيّة والمعنيّة بحقوق الطفل، اجتراح مدوّنة السلوك هذه؛ حفاظاً على كرامة الطفل وعائلته، ولتقدير العُمر الذي بالوسع فيه اعتماد موافقته وحدود فهمه لما يجري، ومن دون أن يهدر الإعلان المنطوي على الخير كرامته وكرامة عائلته من خلال تصويرهم في حالات ضعف إنسانيّ وهم يتلقّون المساعدة أو يطلبونها".

تحقق

تحقق