مخالفات مهنيّة وأخلاقيّة في تغطية الإعلام لـ 14 حالة انتحار

أكيد- تمارا معابره-

 

تداولت وسائل إعلام، ومواقع إلكترونيّة محليّة، وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي، ما يزيد على 60 مادة إعلاميّة في تغطيتها ل 14 "حالة انتحار في الأردن"، منها ما نُشِر حول أساليب الانتحار، ومنها تفيد بكيفيّة الانتحار ووسائله، ومواد تحاول التعليق على "الظاهرة" بسخرية، وفقًا لما رصده "أكيد"، في الفترة الزمنية الممتدة منذ الأوّل من شهر آب  الماضي وحتى مطلع أيلول من العام الجاري 2019.

 

ويطفو على سطح المخالفات المهنيّة التي ارتكبها صحافيّون خلال تغطية حالات الانتحار  تداول الصور والفيديوهات المتعلقة بمواضيع الانتحار وأساليبه بالإضافة للاكتفاء بالخبر بحد ذاته  دون  معرفة ماهيّة التفاصيل أو الأخذ بآراء المختصين في هذا المجال لتوفير تغطية أكثر اتّزاناً لهذه القضية.

 

ورصد"أكيد" أبرز المخالفات المهنيّة والأخلاقيّة التي ارتكبتها مواقع إلكترونيّة المحليّة، ومواقع تواصل اجتماعيّ في تغطيتها لقضيّة الانتحار، والتي من أبرزها:

 

  • تضمين الصور والفيديوهات في تغطية حوادث الانتحار واستخدام خاصية الـ Live  لنقل الأحداث بشكل مباشر، حيث إنّ استخدام عناصر الإبراز فيها يقدمها كقصة مهمّة للتداول بدلاً من تسليط الضوء على مخاطر هذه السلوكيّات وتقديم التغطية السليمة لها.
  •  استخدام عناوين مثيرة  وإدراج تفاصيل  الانتحار  وطريقته .
  • إيعاز أسباب الانتحار لظروف الحياة كالبطالة والفقر، وهو ما قد يدفع عدداً من الذين يواجهون  الظروف ذاتها للتفكير بالإقدام على الانتحار.
  • عدد من وسائل الإعلام تتعامل مع حوادث الانتحار بأسلوب بحثي يجذب الإثارة، من خلال وضعها في قائمة عناصر الاهتمام  كنشرها على الصفحة الأولى، أو وضعها في قائمة الأخبار العاجلة،  بطريقة ترويجيّة.

 

 

 "في كل دول العالم فكرة نشر قضايا الانتحار مرفوض رفضًا تامًا من الناحية الأخلاقيّة، حيث إنَّ نشرها من شأنه أن يسهم في زيادة أعدادها".. وِفقاً لأستاذ التشريعات الإعلامية الدكتور صخر الخصاونة.

 

ويؤكد الخصاونة لـ"أكيد" أنّ الدراسات العلميّة تشير إلى أنّ هناك ميلاً لدى "بعض" الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسيّة لمتابعة الأخبار المتعلقة بالانتحار، بحثاً عن أساليب تساعدهم في الشروع  بالانتحار وتنفيذه، لذلك نلاحظ أنّ أغلب حالات الانتحار متشابهة نظراً لما تنشره وسائل الإعلام من أساليب الانتحار كالتهديد بالسقوط من المرتفعات وما شابه ذلك، مبيّناً أنّ وسائل الإعلام الملتزمة بمبادئ أخلاقيّات النشر تلجأ إلى الحدّ من نشر كلّ ما يتعلق بتلك الممارسات وأساليبها.

 

ومن الناحية القانونية أوضح الخصاونة لـ"أكيد" أنه لا يوجد نصّ قانونيّ واضح يعاقب على النشر في هذه القضايا، لكن إذا كان هناك تحريض بشكل مباشر فإنّ هذا يُعدّ جريمة يعاقب عليها القانون، فالقانون لا يعاقب على الشروع بالانتحار، وإنما يعاقب بالتحريض عليه، إلا إذا كان في حالات حصريّة مثل إن يحمل الشخص صفة عسكرية.

 

بدوره قال الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام عامر السرطاوي إنّ المديرية تتعامل مع حالات الانتحار بحسب طبيعتها، فإن كانت حالات انتحار تام تسببت في الوفاة، فإنه في البداية يتمّ إخطار المدعي العام والطِّب الشرعي بالحادثة وتوجيه كافة التحقيقات للمدعي العام المختص. ويضيف: أنه وفي حالة كانت محاولة للانتحار يتم التحقيق في البداية، وتحويل الأوراق للمدّعي العام، ومن ثمّ تحويل هؤلاء الأشخاص للجهات المعنيّة كالمرشدين النفسيين والاجتماعيين، وفي حالة انتحار "حدث" يتمّ تحويله فور دخوله المستشفى إلى إدارة حماية الأسرة.

 

وأوضح السرطاوي أنّ المديرية تقوم بالتفاوض مع بعض الأشخاص الذين يُهدّدون بالانتحار في محاولةٍ  لإقناعهم بالعدول عنه، ثم أخذ التدابير المناسبة والوقوف على الأسباب التي دفعته لذلك.

وحذّر السرطاوي من مخاطر التركيز الإعلامي على حالات الانتحار من خلال نشر التفاصيل والصور المتعلقة بهذه الحالات  لما لها من تأثير اجتماعيّ سلبيّ للشخص وذويه على المدى البعيد؛ ولأنّ معظم حالات الانتحار التام مرتبطة بطبيعة الشخص النَّفسية.

 

الدكتور خليل أبو زناد، استشاري الأمراض النفسيّة والعصبية صرَّح لـ "أكيد" أنه يقف خلف ستار الانتحار في الغالب مرض الاكتئاب، وهو مرض يصيب النفس والجسم، ويؤثر على طريقة التفكير والتصرف ومن شأنه أن يؤدي إلى العديد من المشاكل العاطفيّة والجسمانيّة، وبالتالي يسبب تشوّهًا أو خطأ في التفكير، وعندما تزداد أعراضه قد تسهم في زيادة ظاهرة الانتحار.

 

ويضيف أبو زناد لـ"أكيد" إنّ وسائل الإعلام الحديثة قد تُسهم في تسويق أساليب الانتحار من خلال ما تقدّمه من مواد صحفيّة تذكر تفاصيل الحادثة، والأساليب المتبعة لها التي قد يكون العامل النفسي أو المرضي هو سببها.

 

ووفقاً لإحصائيات منظمة الصحة العالمية يُعدّ الانتحار ثاني أبرز سبب للوفاة في شريحة الشباب من عمر 18-30 عامًا، حيث يُقَدَّر عدد ضحاياه سنويًا بحوالي 800 ألف شخص حول العالم.

 

ومن هنا يدعو "أكيد" الصحافيين إلى ضرورة تغطية هذه الحالات الحسّاسة من "الانتحار" أو "شبهات الانتحار"، وفقاً لمبادئ أخلاقيّات المهنة الصحفيّة والتشريعات الإعلاميّة، وعدم تقديم المعلومات التي لا تهم الشأن العام وتضرّ بأهل المنتحر، أو تنعكس سلبًا على سلوك المجتمع، وتقدم مسائل حسّاسة للرأي العام على أنها ظاهرة منتشرة، وبالتالي عدم التزام بالمسؤولية الاجتماعية والتي قد تسهم في تشجيع  من لديه عامل نفسيّ أن يقدم عليها بسهولة بدلا من تحذيره منها.

 

تحقق

تحقق