"نظريّات المؤامرة" .. أوهام "مُمْتِعَة" أم آثار مُؤلِمَة؟

أكيد – ترجمة بتصرّف: دانا الإمام

 

صعوباتٌ عديدة تُواجه كلّ من يُحاول تمييز نظريّات المؤامرة والتنبُّه إلى وجودها فيما يقرأ أو يسمع، رغم شيوعها وتكرار ورودها. يعود ذلك إلى عوامل قد تدفع بعض الأفراد أو الجهات إلى اختلاق هذه النّظريّات لأهداف مختلفة منها اغتيال الشّخصيّة، ونشر الفضائح أو محاولة التّستّر عليها، والهجمات الإرهابيّة، إضافةً إلى محاولة الحكومات إخفاء أنشطة ما.

ويُثير ذلك تساؤلات عدّة في أذهان المُتلقّين حول كيفيّة التمييز بين الأحداث الحقيقيّة والمُختَلَقَة، التي عادةّ ما يُطلق عليها اسم "نظريّات المؤامرة". فمثلاً، قد يتساءل البعض عن أصل فيروس "كورونا" المُستجدّ، وإذا ما كان حقيقيّاً أم مُصنّعاً في مختبر لأهداف خفيّة.

واحدة من طرق كشف نظريّات المؤامرة هي إخضاع المعلومة للمنطق البسيط، إذ يَعتمد البعض قاعدة تقوم على تصديق الأمر عند رؤيته فقط، بينما يتّبع آخرون مبدأ التّشكيك بصحّة كل ما يسمعون أو يقرؤون حتى يثبت خلافه. لكنْ، وبالرّغم من احتماليّة نجاح هاتين الطريقتين في بعض الأحيان إلّا أنّهما يُضيّقان الخناق على المعلومات الصّحيحة فعلاً. ولهذا، فمن الأفضل التّعامل مع جميع المعلومات بما فيها نظريّات المؤامرة على أنّها معلومات غير مُثبتة، وليس على أنّها معلومات غير صحيحة، غير أنّ الطّريقتين لا تبدوان مُرضيتين بما فيه الكفاية؛ لأنّهما تُقلّلان من حجم المُشكلة بدلاً من حلّها. وفيما يأتي طرق عمليّة يُمكن أن تُساعد في التّعرّف أكثر على نظريّات المؤامرة:   

أوّلاً: التّعرّف على ماهيّة نظريّات المؤامرة

الفرق الأساس بين المعلومة الصّحيحة ونظريّة المؤامرة يكمن في طبيعة كلٍ منهما؛ فأشهر الفضائح التي استندت إلى أخبار صحيحة، مثل فضيحة "ووترجيت" التي هزّت الولايات المتّحدة في السبعينيّات من القرن الماضي أو تدخّلات روسيا في الانتخابات الرّئاسيّة الأميركيّة الأخيرة، تتضمّن عادةً أكثر من جهة لها غايات وأهداف متضاربة. وأهمّ ما يميّز نظريّات المؤامرة أنّها لا تسير وفقاً لمُخطّط مسبق؛ نظراً لصعوبة التنبّؤ بالمسار الذي ستسلكه المواجهات المباشرة أو غير المُباشرة بين الأطراف المُتناحِرة.  

 

ثانياً: الفرق بين المؤامرات الحقيقيّة ونظريّات المؤامرة

ليس باستطاعة مؤيّدي نظريّات المؤامرة الكشف عن خفايا المؤامرات الحقيقيّة، فعبر التّاريخ، قامت كلّ من الصّحافة الجادّة والاستجوابات الحكوميّة والمُخبرين السرّيين، وليس نظريّات المؤامرة، بالكشف عن عدد كبير من المؤامرات التي سعت إلى التستّر على أنشطة غير قانونيّة. كما أنّ القوانين التي تضمن حق الحصول على المعلومات تعزّز أيضا شفافيّة المؤسّسات. في هذا الوقت، ينشغل مؤيّدو نظريّات المؤامرة بملاحقة معلومات عن "المُتنوّرين" و"نظام العالم الجديد"، وغيرها. بل في الحقيقة، تجدهم بعيدين كلّ البُعد عن المؤامرات الحقيقيّة؛ لاعتقادهم أنّ هذه المؤامرات صغيرة وغير منطقيّة.

 

ثالثاً: التوصّل إلى الأدلّة

يرى المُهتمّون بالمؤامرات الحقيقيّة، مثل الصّحفيين الاستقصائيين ودارسي التّاريخ والمُحكّمين والقُضاة، ضرورة التّعامُل مع أيّة رواية لأيّة قصّة أو ادّعاء كفرضيّة تخضع للفحص والتّحقّق، وبناءً على ذلك يتم تحديد مدى صحّتها. فإذا ثبت عدم وجود أدلّة أو أنّ الأدلّة تُخالف الفرضيّة، يتم التّعامل مع القصّة على أنّها جزء من محاولةٍ للتّستّر على أمر ما.

أمّا بالنّسبة لمن يُصدّقون نظريّات المؤامرة، فالعكس صحيح؛ إذ يتعاملون مع الادّعاء على أنّه "مبدأ ثابت" غير قابل للفحص أو النّقاش، وبالتّالي ليس هناك أهميّة للأدلّة التي قد تُثبت خطأ أو زَيْف الادّعاء.

ويبقى الوعي حول الفروقات بين المؤامرات الحقيقيّة ونظريّات المؤامرة المُفبرَكة هو الأساس؛ لأنّ المجتمعات المُعاصرة تسعى أحياناً إلى إيجاد حالة ضبابيّة يُصبح من الصّعب معها التمييز بين الأمرين. وهُنا يجب التّذكير بأنّ نظريّات المؤامرة ليست إلّا أوهام "مُمتعة" لكنّ آثارها مؤلمة، يتم التّرويج لها بدلاً من تحديد المُشكلات المُجتمعيّة والعمل على إصلاحها.

 

المصدر: Open.ac.uk

تحقق

تحقق