الإعلام التّقليديّ يستعيد ألَقَهُ خلال جائحة "كورونا"

أكيد – دانا الإمام

يرى إعلاميّون وراصدون أنّ جائحة "كورونا" أعادت الاعتماد على وسائل الإعلام التّقليديّة كمصدرٍ رئيس للأخبار الموثوقة، في ظل تزايد انتشار الأخبار المغلوطة والإشاعات عبر منصّات التّواصل الاجتماعيّ، في مشاهدات يُمكن تعميمها على المُستوى العالميّ.

منذ نحو 20 عاماً، تزايد اعتماد جماهير المُتلقّين على منصّات التواصل الاجتماعيّ للحصول على الأخبار ومتابعتها أوّلاً بأوّل عبر الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب؛ لسهولة تصفّحها وسرعة نقلها للمعلومات، إضافة إلى استخدام التطبيقات ذاتها للتّواصل مع الأصدقاء وللتّرفيه في آنٍ معاً.

سبّبت هذه النقلة أزمةً لعدد كبير من وسائل الإعلام التّقليديّة المرئيّة والمقروءة والمسموعة؛ إذ شهدت تدنّياً في أعداد المتابعين الذين أصبحوا يُفضّلون استخدام مواقع التّواصل الاجتماعيّ. وأسهمت تلك النّقلة في إغلاق عدد من المؤسّسات الإعلاميّة حول العالم، وتقليص أعمالها مؤسّسات أُخرى.

عضو نقابة الصحافيين خالد القضاة قال لـ "أكيد" إنّ جائحة "كورونا" أسهمت في "عودة هائلة لمتابعة الأخبار عبر وسائل الإعلام الرّصينة من قنوات تلفزيونيّة، وإذاعات، وصُحف، وبعض المواقع الإلكترونيّة الإخباريّة"، مشيرا إلى اختلاف سلوك القرّاء والمُتابعين بحيث أصبح لديهم شغفاً للحصول على الأخبار المتنوّعة والمُتشعّبة التي تؤثّر عليهم مباشرةً، مُدركين أنّهم سيدفعون ثمن اعتماد مصادر غير موثوقة للمعلومات، مثال ذلك ما يتعلّق بساعات حظر التجوال واستخدام تصاريح الحركة.

من جهة أُخرى، اقتصر دور مواقع التّواصل الاجتماعيّ على كونها منصّات للتعليق وإبداء الرأي حول الأخبار والقرارات الرّسميّة، وفقاً للقضاة، الذي أضاف أنّ الصّحافيين والعاملين في الإعلام كان لهم جهد كبير غير مُعلن للتنظيم الدّاخلي والتّعاون فيما بينهم، والنّقاش فيما يُجوّد المُحتوى الإعلاميّ وفي كيفيّة التّعامل مع الظروف الاستثنائيّة التي فرضتها الجائحة، بينما غاب ناشطو مواقع التّواصل الاجتماعيّ تماماً عن المشهد الذي امتاز بحساسيّة عالية.

وقال يحيى شقير المستشار الإعلاميّ في الأخلاقيّات الصّحفيّة والتّشريعات الإعلاميّة لـ"أكيد" إنّه من المعروف أنّ وسائل الإعلام التّقليدية تتّبع معايير مهنيّة وأخلاقيّة في جمع المعلومات والتّحقّق من صحّتها، وهي ميّزة لا تتوفّر في وسائل التّواصل الاجتماعيّ.

لكنّ تغيُّر أساليب استهلاك المعلومات من الجمهور وبطء العمل لدى مُولّدي المعلومات وزيادة الطلب على المعلومات بصورة لا يقابلها توفير المعلومات بالسّرعة اللّازمة، وفقاً لشقير، يُشكّل بيئة مواتية لنشر أخبار ومعلومات غير دقيقة لملء العجز في المعلومات المحدودة المُتاحة.

وبينما يرى القضاة أنّ تجربة "كورونا" أثبتت أنّ وسائل الإعلام "التّقليديّة" هي من حملت رسائل الدّولة وأوصلتها لجمهور المُتلقّين بموضوعيّة ومصداقيّة، نوّه شقير إلى أنّ تدفّق المعلومات بطريقة استباقيّة وبسرعة من الحكومة هو أفضل طريقة لمواجهة الأخبار غير الدّقيقة والمُضلِّلة.

ويُضيف القضاة أنّ أيّة دراسة بحثيّة مُستقبليّة، تُجرى بعد 10 سنوات على سبيل المثال، تبحث في تأثير جائحة "كورونا" على الأردن سترْتكز على ما نشرته الصّحف، ولن تعود إلى منشورات على "فيسبوك" أو "تويتر".

عالميّاً، سجّلت مؤسّسة دويتشيه ڤيله الألمانيّة (DW)، على سبيل المثال، أرقاماً "غير مسبوقة" لعدد متصفّحي موقعها الإلكترونيّ، كما انتعشت أعداد متابعي قناتها التلفزيونيّة خلال جائحة "كورونا". المؤسّسة الإعلاميّة الضّخمة سجّلت هذا الارتفاع في وقتٍ امتلأت به مواقع التّواصل الاجتماعيّ بأخبار زائفة، إذ تداول الملايين من مستخدميها أخباراً عن أهميّة الثّوم في حماية الأفراد من الإصابة من الإصابة بالفيروس وغيرها من المعلومات الخاطئة والبعيدة كلّ البُعد عن المنطق.

مُجدّداً، أثبتت منصّات التّواصل الاجتماعيّ أنّها حاضنات للتّضليل الإعلاميّ والمعلومات المغلوطة. ليس ذلك فحسب، بل إنّ الأخبار المغلوطة قد تُشكّل خطورة على حياة الأفراد وصحّتهم. ولمواجهة هذه الأخطار، تسعى منصّات "فيسبوك" و"تويتر" للحدّ من المعلومات المضلّلة التي يتم تداولها عبرهما، لكن لا يُمكن القضاء على التّضليل المنتشر عبرهما نظراً لصعوبة التّدقيق والتحقّق ممّا ينشره ويتداوله عدد كبير جداً من المستخدمين.

وأظهرت دراسة حديثة أجراها معهد رويترز لدراسة الصّحافة أنّ اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام التّقليديّة ازداد خلال جائحة "كورونا" في عدد من دول العالم، بالمقارنة بالاعتماد على وسائل التّواصل الاجتماعيّ بوصفها مصدراً للأخبار. ولاحظت الدّراسة أنّه كلّما انخفض مستوى تعليم الأشخاص، ازداد اعتمادهم على وسائل التّواصل الاجتماعيّ كمصادر لاستقاء الأخبار. 

تحقق

تحقق