"كورونا" وفوضى نظريّات المؤامرة عبر منصّات التّواصل الاجتماعيّ

ترجمة بتصرّف: دانا الإمام

في عام 2015، أبدت مجموعة من مؤيّدي نظريّات المؤامرة خشيتها من أنّ اللاجئين سيجتاحون العالم، بينما يعتقد حاملو الفكر ذاته اليوم بوجود قوى ظلام خفيّة تقف خلف فيروس "كورونا" المستجدّ. والسؤال هنا: ماذا يحدث عند فقدان التّوافق بين أفراد المجتمع على  أمر بالغ الخطورة مثل هذا الفيروس؟

وصلت نظريّات المؤامرة إلى قلب المجتمع بطريقة لا يمكن أن يتجاهلها متصفّح منصّات التّواصل الاجتماعيّ، إذ تتضمّن المنشورات والتّعليقات اتّهامات لعلماء الفيروسات، وبيل غيتس، والقائمين على تصنيع اللقاحات، حتّى طالت الاتّهامات المستشارة الألمانيّة "أنغيلا ميركل"، والإجراءات المشدّدة الرّامية إلى السّيطرة على انتشار جائحة كوفيد-19.

عندما ظهرت أزمة اللجوء إلى أوروبا في 2015، انتشرت نظريّات المؤامرة بشكل كبير في ألمانيا، حتّى ادّعى حاملو هذا الفكر أنّ "ميركل" كانت تخطّط سرّا لاستقدام أشخاص من الشّرق الأوسط وآسيا؛ لاستبدال مواطنين ألمان، ضمن ما وصفوه بأنّه "مؤامرة عالميّة".

لكنّ الأمر مختلف هذه المرّة؛ ربّما لأنّ جائحة "كورونا" أثّرت على الجميع دون استثناء؛ فليس باستطاعة الأطفال الذّهاب إلى الحضانات أو المدارس، وهو ما أجبر الأهالي على الاعتناء بأطفالهم في المنزل في الوقت ذاته الذي يحاولون فيه العمل من منازلهم، كما أُغلقت الجامعات وعدد كبير جداً من الأعمال لأسابيع، بما في ذلك المطاعم وصالونات الحلاقة، وهو ما أوقف مصادر الدخل لعددٍ كبيرٍ من الاُسر.

الأزمة ألقت بظلالها أيضا على كبار السّن، في المجتمعات الغربيّة، الذين مُنعوا من تبادل الزّيارات مع أقاربهم وأصدقائهم، بينما يُجبَر المرضى غير المصابين بفيروس "كورونا" على الانتظار طويلاً قبل تلقّي العلاج والحصول على الأدوية؛ لأنّ الأولويّة في العلاج لمرضى الفيروس، الذين يتوفّى عدد كبير منهم ببطء نظراً لفشل الأجهزة  التنفّسيّة في أجسادهم.

هل ما نعيشه حقيقة؟ هل من الممكن أن يكون لفيروس ميكرويّ هذا التّأثير الكبير على مجتمعاتنا؟ معظّم النّاس سيقولون نعم بعد تنهيدة، وربّما مع دموع في أعينهم. لكن من جهة أُخرى، ستجد جماعات تنظّم وقفات صاخبة في أماكن عامّة للمطالبة بإنهاء كافّة إجراءات الحجر ورفع الإغلاقات تبعاً لاعتقادهم الرّاسخ بأنّ المسؤولين وأصحاب السّلطة فرضوا الحجر تعاوناً مع مُغرضين يسعون لهدم المجتمعات.

تقييم الحقائق الأساسيّة

منتقدو سياسات الهجرة في 2015 لم ينتقدوا الواقع كما رأوه، بل انتقدوا طريقة تعامل السياسيين مع تدفّق نحو مليون لاجئ، لكنّ مؤيّدو نظريّات المؤامرة اليوم يُشكّكون بحقائق أساسيّة ويعارضون أدلّة علميّة حول طرق انتشار الفيروس. وحتّى في هذه فَهُم يختلفون فيما بينهم ولا يصلون إلى تصوّر موحّد. بعض المؤمنين بالمؤامرة يعتقدون أن كوفيد-19 ليس أسوأ من الإنفلونزا الموسميّة، بينما يؤيّد البعض سياسة "مناعة القطيع". ومن جهة أخرى ترفض مجموعة أيّ نوع من أنواع اللقاحات، ولا تجد فيها فائدة، حتّى قبل تطوير لقاح للفيروس المستجدّ. وهنا يُشار إلى أنّ هذا الفكر موجود عند فئة معيّنة منذ زمن بعيد، وقبل انتشار كوفيد-19.

ماذا يحدث عندما لا يتّفق مجتمعٌ ما على الحقائق الأساسيّة؟ في نهاية المطاف، لن تكون أيّة مؤسّسة في مأمن من الانتقاد والجدل اللانهائيّ عن طرق تفسير الحقائق وفهمها. وممّا لا شكّ فيه أنّ استمرار انتشار نظريّات المؤامرة، وتضخيم الأخبار المغلوطة، يُقوّض ما تحقّقه الدّول في سبيل تعزيز الدّيمقراطيّة. هذا الانحدار في الفكر ليس وليد أزمة "كورونا"، وإنّما هو سمّ تتجرّعه المجتمعات منذ سنوات.

 

المصدر: https://bit.ly/2WzGGOx

تحقق

تحقق