غموض التصريحات الحكومية يثير اهتماما إعلاميا واسعا بمرضى السرطان

 أكيد - أنور الزيادات

تناولت وسائل الإعلام المحلية باهتمام كبير قضية علاج مرضى السرطان، كما إحتل الموضوع جانبا كبيرا مما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بعد نشر صحيفة "الغد" اليومية تقريرا يوم الخميس 15 شباط 2018 بعنوان "قرار حكومي يوقف علاج 1400 مريض بمركز الحسين للسرطان".

وخلال عملية بحث سريعة لمرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) شملت أربع صحف يومية وأربعة مواقع إخبارية تبين أن كل وسيلة إعلامية نشرت بالمعدل 12 محتوى إعلاميا حول الموضوع خلال الأسبوع الماضي، حيث كانت الصحف كالتالي الرأي (10)، الدستور(7)، الغد (17)، السبيل (14)، أما المواقع الإخبارية فكانت كالتالي عمون (11)، خبرني (9)، سرايا(13) والوكيل الإخباري (14).

ما حدث مرتبط بتداعيات قرار مجلس الوزراء شمول المواطنين فوق الـ60 عاما بمظلة التأمين الصحي، فبعد شمولهم قررت وزارة الصحة اعادة 1400 منهم يتلقون العلاج في مركز الحسين للسرطان بموجب اعفاء طبي قبل قرار مجلس الوزراء ، الى العلاج في المستشفيات التابعة  لوزارة الصحة.  

وتقوم وزارة الصحة بتحويل مرضى السرطان أولا الى مستشفياتها، وفي حال عدم توفر العلاج بموجب قرار لجنة طبية، تحولهم الى المستشفيات الجامعية والخدمات الطبية الملكية، والمراكز المتخصصة كالحسين للسرطان الحاصل على العديد من الجوائز الدولية التي تؤكد جودة الرعاية المقدمة لمرضى السرطان فيه.

ويلاحظ عند تدقيق الأخبار الصادرة عن الحكومة عدم وجود تطابق بتفاصيل الأخبار الصادرة عن وزارة الصحة تحديدا وغموضها ما أثار تساؤلات في وسائل الإعلام، فيما اذا كان سيستمر ال1400 مسن بتلقي علاجهم في مركز الحسين، وما هو مصير المرضى الجدد، وهل سيسمح لهم بارتياد المركز.

وبعد انتشار الخبر، أصدرت وزارة الصحة بيانا  نشر تحت عنوان ""الصحة توضح سبب وقف علاج 1400 مريض بمركز الحسين للسرطان  يوم 15 شباط جاء فيه "قالت وزارة الصحة، إن قرار وقف علاج 1400 مريض بمركز الحسين للسرطان، يأتي بسبب شمولهم بمظلة التامين الصحي المدني مجانا، موضحا الناطق الاعلامي باسم الوزارة حاتم الازرعي أن شمول المواطنين ما فوق 60 عاما بمظلة التامين الصحي المدني وفر لهم الحصول على خدمات صحية شمولية مثلى لكافة الامراض، مشيرا إلى ان هذا القرار يعد تنظيميا، ويمكن المستفيدين تلقي العلاج في المستشفيات التابعة للوزارة، والخدمات الطبية الملكية، موضحا انه اذ لم يتوفر العلاج في هذه المستشفيات لمريض السرطان فانه يتم التعامل مع الحالة حسب طبيعتها وتحول الى القطاعات الاخرى بما في ذلك مركز الحسين للسرطان ودون النظر الى كلف العلاج".

كما أصدرت وزارة الصحة يوم الأحد 18 شباط بيانا نشرته وسائل اعلام تحت عنوان "الصحة" تؤكد استمرار علاج المؤمنين صحياً في "مركز الحسين" اشار الى أن "مرضى السرطان المؤمنون صحيا ويتلقون العلاج في مركز الحسين للسرطان او مستشفيات القطاعات الاخرى سيتم تجديد تحويلهم لهذه القطاعات حتى استكمال العلاج، واضاف ان المرضى الجدد من المؤمنين صحيا فسيتم تحويلهم بعد أخذ الرأي الطبي الى مستشفيات الوزارة او الخدمات الطبية او المستشفيات الجامعية او مركز الحسين للسرطان حسب طبيعة الحالة المرضية".

وقال رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي، في تصريحات صحفية أنّ "من يتعالجون في مركز الحسين للسرطان لن يتأثروا بالتوجه الحكومي الجديد، فستستمر إعفاءاتهم خلال فترة العلاج، ويجدد إعفاؤهم حتى استكمال العلاج، موضحا ان القديم سيستمر على قدمه، وأنّ المقصود بالتوجه الحالي هم المرضى الجدد"، وهذا تصريح يوضح بأن هناك توجها حكوميا جديدا حول  علاج المرضى في مركز الحسين للسرطان.

بدوره وزير الدولة لشؤون الاعلام الدكتور محمد المومني قال ان "مجلس الوزراء ناقش موضوع معالجة المرضى في مركز الحسين للسرطان، لافتا الى ان هناك الكثير من المعلومات المغلوطة التي تم تداولها بهذا الشان، داعيا وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي الى استقاء المعلومات من مصادرها الرئيسية، مشيرا الى ان من هم فوق سن الستين الذين تم شمولهم بمظلة التامين الصحي بموجب قرار مجلس الوزراء اخيرا وفي حال تم تشخيص أي منهم بهذا المرض ستكون هناك لجنة طبية تقرر مكان معالجتهم سواء في مستشفيات وزارة الصحة او الخدمات الطبية او المستشفيات الجامعية او مركز الحسين للسرطان، وأكد ان اللجنة الطبية هي من تقرر لافتا في الوقت نفسه الى ان مستشفيات الصحة والخدمات الطبية والمستشفيات الجامعية قادرة على التعامل مع انواع وحالات معينة من السرطان والحالات الاخرى يتم تحويلها لمركز الحسين".

كما نُشرت أخبار ردا على معلومات غير دقيقة تناولتها وسائل التواصل ومنها خبر بعنوان  الديوان الملكي: اعفاءات "السرطان" كما نصت عليها الحكومة وجاء فيه "نفى مصدر في الديوان الملكي ما تردد عن ابلاغ الديوان لمركز الحسين للسرطان بحصر تحويل مرضى السرطان اليه ، سواء الحاصلين على اعفاءات قديمة أو جديدة ، وعدم تحويل المرضى الى مستشفيات أخرى، وأن التعليمات التي صدرت بهذا الخصوص من الحكومة، والقاضية باستمرارية معالجة المرضى الحاصلين على اعفاءات قديمة وتجدد ، بينما الجدد تطبق عليهم المعايير الجديدة بوزارة الصحة ، واضحة لا لبس فيها ، وهي المتبعة بإجراءات الديوان".

احد المفاصل المهمة في هذا الاطار تصريحات مدير عام مركز الحسين للسرطان د. عاصم منصور التي اشار فيها الى ان  1000 مريض مرشح لمغادرة "الحسين للسرطان" شهريا موضحا إن "تكاليف العلاج في المركز مساوية لنظيرتها في الحكومة، وإن المركز ملتزم بالحد الأدنى لتسعيرة العلاج للحكومة، إضافة إلى خصم 25 % تعاقديا، وخصم تدقيق الفواتير، والإمهال لسنتين وأكثر لتسديد قيمة الفاتورة العلاجية".

وقال إن المركز "يعالج نحو 12 ألف مريض تنتهي إعفاءاتهم بأزمنة مختلفة وبمعدل 1000 شخص شهريا خلال العام 2018"، مشيرا إلى أن "المرضى فوق سن 60 عاما تصل نسبتهم إلى 50 % من المجموع الإجمالي، وأن المركز هو الوحيد المختص بالسرطان في الأردن ويضم 200 طبيب مختص من بينهم 22 طبيبا من اختصاصي الأورام".

وحول التباين والتناقض بين تصريحات الحكومة والتطبيق الفعلي تقول احدى المصابات بمرض السرطان التي رفضت ذكر اسمها ل"أكيد" أنها "خلال مراجعتها صباح يوم الاثنين للحصول على الإعفاء واستمرار علاجها في مركز الحسين للسرطان، طلب منها مراجعة مستشفى البشير للحصول على تقرير من أجل تحديد مكان استمرار العلاج". وتوضح أنها "منذ اصيبت بالمرض وعند مراجعة  وحدة شؤون المرضى كانت تحصل مباشرة على استمرار الاعفاء من خلال التقارير الطبية الصادرة عن مركز الحسين للسرطان".

بعد كل الاخذ والرد ذكر بعض مرضى السرطان وبعد مراجعتهم للديوان الملكي يوم 21 شباط ، لاستكمال علاجهم في مركز الحسين للسرطان وإلغاء قرار وقف الإعفاءات الطبية عنهم؛ أن القرار الحكومي وافق على تمديد الإعفاء لمدة 6 أشهر فقط وليس سنة كما هو المعتاد، بينما أكد رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي أمس على أن مجلس الوزراء وجه وزير الصحة للاستمرار بتغطية نفقات معالجة مرضى السرطان لدى مركز الحسين للسرطان لحين انتهاء المعالجة.

هذه التفاصيل المنسوبة للمرضى تؤكد أن ما يعلن غير مطابق للواقع، الأمر الذي يجعل مصداقية التصريحات الحكومية، وبالتالي وسائل الاعلام على المحك، خاصة وأن وسائل الاعلام تعلب دور الوسيط في نقل المعلومة بنقلها ما يصدر من تصريحات وقرارات.

في متابعة هذه التغطية لا بد من الاشارة الى تقرير  نشرته محطة سكاي نيوز عربية على موقعها الإلكتروني بعنوان "الأردن.. غضب بسبب إلغاء "إعفاءات السرطان"  واعادت نشره الكثير من المواقع العربية ومما جاء فيه "أنهى قرار الحكومة الأردنية آمال عدد كبير من مرضى السرطان بشمولهم ضمن الإعفاء من رسوم العلاج، وتحويل المرضى للمستشفيات الحكومية بدلا من العلاج في مركز الحسين المتخصص، ما سبب سخطا شعبيا عاما، حمل تصريحا يعود للعام 2008 اي قبل عشر سنوات لمدير إدارة التأمين الصحي في وزارة الصحة الدكتور أحمد البرماوي جاء فيه  "الإجراءات تنظيمية لإيصال خدمة التأمين الصحي لمستحقيها وتفاديا لازدواجية التأمينات الصحية" واعادت نشره مواقع محلية دون التدقيق والتحقق من هذا الخبر والذي مصدره وسائل اعلام خارجية فقد حملت معلومة غير صحيحة فمديرة ادارة التامين الصحي حاليا هي الدكتورة الهام خريسات.

وتناولت وسائل الاعلام هذا الموضوع من زوايا مختلفة وهذه العناوين أمثلة على طريقة تناول الاعلام لهذا الموضوع : الصحة: وقف تحويل مرضى السرطان للعلاج في الحسين للسرطان... غير صحيح، دعاس : الحكومة لم تصدق بقضية الاعفاءات الطبية .. ويؤكد هذا اكبر مثال، النائب البدور : وعود حكومية بإعادة مرضى السرطان الى مراكز علاجهم، مرضى السرطان يرفضون بيانات الحكومة ويعتصمون امام الرئاسة، مرضى السرطان يشتكون رفض تجديد إعفاءات علاجهم في "مركز الحسين"،الحكومة تبقي العمل بالإعفاءات الطبية لمرضى "الحسين للسرطان"، مرضى السرطان لا بواكي لهم ومستشفيات خاصة "البديل"، المومني: مستشفيات الصحة يمكنها التعامل مع حالات من السرطان، الحكومة الأردنية تتراجع عن وقف إعفاءات مرضى السرطان، مرضى السرطان ودليل الخدمات الطبية والعلاج في مركز الحسين والأردن : مجزرة بحق مرضى السرطان

وقال رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب الدكتور ابراهيم البدور لمرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) ان "المشكلة في هذا الموضوع هو الفرق الهائل بين الخدمات المقدمة في مركز الحسين وهو مركز متخصص معتمد دوليا مقارنة بالخدمات المقدمة في مستشفيات وزارة الصحة".

وأضاف "نحن ندعو الى العدالة وتقديم خدمات في مستوى موحد لجميع المواطنين، فاذا الحكومة لا ترغب  بتحول المرضى الى خارج مستشفيات وزارة الصحة فعليها تقديم خدمات مماثلة لما يقدم في مركز الحسين أما أن تكون دون المستوى فهو أمر غير مقبول".

وقال ان الحكومة أشارت الى أن القرار، تنظيمي ولضبط النفقات فقد بلغ حجم الاعفاءات الطبية بشكل عام العام الماضي 230 مليون دينار فيما كانت المخصصات 150 مليون دينار، فيما كان حجم الاعفاءات عام 2015،380 مليون دينار.

وأضاف "نحن مع التنظيم فاذا كان حصر الاعفاءات بالديوان لتنظيم هذه المسألة فهو أمر لا غبار عليه، خاصة في ظل توضيح الحكومة ان الإعفاءات التي تصدر من الرئاسة كانت  تعطى لأشخاص غير مستحقين، ولكن أي تنظيم يجب أن لا يؤثر على حصول جميع المواطنين على العلاج الذي يحتاجون وبمستوى متميز".

واشاد بدور الاعلام في هذه القضية واهتمامها بحقوق المواطنين سواء كانت المحطات الاذاعية والتلفزيونية وكذلك الصحف والمواقع الالكترونية، مؤكدا الدور المهم للإعلام في هذا المجال والاهتمام الكبير بالمصالح العامة، مشيرا الى أن الاعلام يعمل جنبا الى جنب مع النواب وكافة الجهات لما يخدم مصلحة الوطن والمواطن.

بدورها قالت عضوة الاتحاد الدولي للصحفيين العلميين والمختصة بالإعلام الصحي الدكتورة حنان الكسواني لـ(أكيد)، ان وسائل الاعلام التقليدي تناولت الموضع باستحياء، فالذي انتصر لمرضى السرطان كان الإعلام الإجتماعي على فيسبوك، وتويتر، مشيرة الى أن متابعة الإعلامين لهذه القضية كانت غير واضحة المعالم، فالبعض كان يحاول الوقوف الى جانب اقرب الى المرضى فيما كان البعض الأخر أقرب الى الموقف الحكومي.

واضافت في هذا الموضوع على الصحافة أن تقف الى جانب المرضى، وتكون جزء من الضغط على صاحب القرار، جنبا الى جنب مع منصات التواصل الاجتماعي.

وقالت كان على وسائل الاعلام تقديم معلومات تاريخية حول التعاون والاتفاقيات القائمة بين مركز الحسين للسرطان ووزارة الصحة لعلاج المرضى ، وما هي الارقام المتعلقة بالموضوع حول حجم التحويلات السنوية لعدد المرضى المحولين ، والديون المستحقة للمركز على الحكومة وغيرها من المعلومات الموثقة بالأرقام، ولماذا هذا القرار صدر في هذا الوقت.

واضافت على الجانب الأخر هل تقديم المركز العلاج للأشقاء العرب والجنسيات الأخرى اثر على استقبال المواطنين المرضى، خاصة وان هذا الصرح  أقيم لخدمة الأردنيين وبتبرعاتهم، موضحة انه كان من الممكن استحضار تجارب عربية في هذا الخصوص ففي مصر لا تسمح المراكز المتخصصة ومنها مراكز لعلاج السرطان للحكومة بالتغول عليها.

وبينت أن التغطية كانت عاطفية، وتحاول التأثير على الجمهور عاطفيا ونفسيا ولم تكن تخاطب العقل بشكل أساسي بالاعتماد على الخبراء والمختصين، موضحة أن المعلومات العلمية الموثقة والارقام الحقيقية  تمنح الاعلام قوة أكبر، فمخاطبة الحكومة بمنطق الأرقام  يكون أكثر تأثيرا.

واشارت الكسواني الى أن مركز الحسين السرطان تأخر في الرد وتوضيح موقفه، ولكن ما يسجل له محاولة توظيف الإعلام الحديث أيضا في ايصال صوته للمواطنين، كما اثنت على اهتمام وسائل الاعلام والفضائيات العربية والاجنبة بقضية مرضى السرطان في الاردن رغم بعدها المحلي.

بدوره قال الزميل احمد برقاوي المتخصص بتغطية الشؤون الصحية في صحيفة السبيل اليومية  ان التشويش والغموض الحاصلين في تغطية هذا الموضوع يعود للتصريحات الحكومية المتباينة المرتبطة بآلية الإعفاءات  الجديدة  والصادرة عن وزارة الصحة ، ورئاسة الوزراء والناطق الاعلامي باسم الحكومة، فبعض البيانات لمحت الى ايقاف التحويلات وبعد ذلك صدرت بيانات وتصريحا أخرى تنفي التوقف عن تحول المرضى للحسين للسرطان.

وأضاف "شاب التغطية الإعلامية  خلل في التوازن، فقد كانت وسائل الاعلام تنشر ما يصدر عن جانب واحد وهو الحكومة فيما صوت المرضى غائب ، والاعلام لم يقم بما يكفي ميدانيا بالتواصل مع المرضى في المستشفيات التي يراجعونها، فكانت هناك رواية اعلامية ناقصة".

وبين احتجاجات المرضى سببها عدم الثقة بالخدمات التي تقدمها مستشفيات وزارة الصحة، "فنحن لا نجد شكاوى على نوعية وطريقة تقديم الخدمات في مركز الحسين للسرطان".  

تحقق

تحقق