عمّان 6 أيلول (أكيد) - لقاء حمالس- تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة لإصدار الأحكام على الأشخاص والقضايا، في ظاهرة باتت تثير تساؤلات حول حدود المسؤولية في النشر، ودور الإعلام في التعامل مع الاتهامات التي تنتشر قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها.
وتتخذ بعض القضايا المتداولة على المنصات مسارًا يشبه "المحاكمة الشعبية"، إذ يُتهم أشخاص وتُتداول صورهم ومقاطعهم، ثم تتحول الاتهامات، بفعل كثافة التفاعل وإعادة النشر، إلى أحكام قطعية في نظر بعض المستخدمين، رغم عدم صدور قرار أو حكم قضائي بشأنها.
ويحذر أستاذ علم الاجتماع، في مقابلة عبر قناة محلية من هذه الظاهرة، معتبرًا أن المحاكمات التي تجري عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت "ظاهرة اجتماعية وإعلامية مزعجة"، بعدما انتقل إصدار الأحكام من الجهات الرسمية المختصة إلى مستخدمي المنصات.
ويشير إلى أن التحولات التكنولوجية أتاحت لأي شخص نشر رأيه والتعليق على القضايا، حتى في غياب الاختصاص أو المعرفة اللازمة، ما أسهم في ظهور ما وصفه بالمحاكمات الشعبية، التي قد تحول المتهم إلى "مجرم" في نظر الرأي العام قبل انتهاء التحقيق أو صدور حكم قضائي.
ويحذر من أن حشد الرأي العام حول قضية، خصوصًا إذا ارتبطت بأبعاد اجتماعية أو دينية أو سياسية، قد يؤدي إلى تضخيمها وتجاوز حجم الواقعة نفسها، فضلًا عن احتمال تعرض أشخاص للظلم نتيجة اتهامات أو معلومات غير دقيقة.
وبعد متابعة مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) للتناول الإعلامي للظاهرة، رصد اهتمامًا إعلاميًا بالقضية، إلا أن حضورها في التغطية لا يزال محدودًا مقارنة بسرعة انتشار المحاكمات الرقمية واتساع تأثيرها في تشكيل الرأي العام.
ويطرح ذلك أهمية مواصلة تناول الظاهرة إعلاميًا، ليس فقط عند بروز حالات أو قضايا بعينها، وإنما بوصفها ظاهرة اجتماعية وإعلامية تستحق النقاش والمعالجة المستمرة.
ولا تقتصر مسؤولية الإعلام هنا على نقل ما يتصدر منصات التواصل، بل تتطلب التغطية المهنية التحقق من الادعاءات، والتمييز بين الاتهام والحقيقة، وإتاحة حق الرد، والرجوع إلى المصادر الرسمية والمختصين.
كما يتطلب ذلك استخدام مصطلحات دقيقة، فالشخص الذي توجه إليه اتهامات على منصات التواصل لا يصبح "مدانًا" لمجرد انتشارها، ولا يجوز التعامل معه بوصفه مجرمًا قبل صدور حكم قضائي.
و لا تعني مواجهة "المحاكمات الرقمية" تجاهل القضايا المتداولة على المنصات، بل تفرض على الإعلام دورًا أكبر في التحقق والتفسير ووضع المعلومات في سياقها، خصوصًا عندما تكون سمعة الأشخاص وحقوقهم على المحك.
فـالانتشار لا يساوي الحقيقة، والتفاعل لا يساوي الدليل، والاتهام لا يساوي الإدانة.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعلام لا يكتفي بملاحقة ما يتصدر التداول، وإنما يسهم في بناء وعي الجمهور بكيفية التعامل مع المحتوى الرقمي.
ويشمل ذلك تقديم معالجة تضع الظواهر الجديدة في سياقها الاجتماعي والقانوني والأخلاقي، والاستعانة بالمتخصصين لفهم أسبابها وآثارها، بما يساعد الجمهور على التمييز بين النقاش العام الذي يخدم المصلحة العامة والممارسات التي قد تنتهك حقوق الأفراد أو تمس سمعتهم.
كما أن استمرار تناول هذه القضايا بصورة مهنية ومنتظمة يمكن أن يعزز قدرة الإعلام على أداء دوره كمساحة للنقاش العام المسؤول، في وقت تتزايد فيه قدرة المنصات الرقمية على تشكيل مواقف الجمهور تجاه الأشخاص والقضايا.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني