عمّان 7 تشرين الثاني (أكيد)- عهود محسن- تفرض الحوادث الأمنية على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية تقديم حتمية الدقة على اعتبارات السبق الصحفي، مع الالتزام المطلق بصون خصوصية الضحايا، واحترام قرينة البراءة، وتجنب إثارة الكراهية أو عرقلة العدالة.
ففي ظل التدفق الرقمي المتسارع، تتحول الأخبار مجهولة المصدر لأدوات تضليل تقوض السلم المجتمعي، يجعل أخلاقيات النشر التزاما مهنيا وقانونيا صارما تؤطره التشريعات ومواثيق الشرف، تحقيقا للموازنة الحتمية بين حرية التعبير وسيادة القانون.
حرية النشر حق دستوري تقابله مسؤولية قانونية
كفل الدستور الأردني في المادة (15) حرية الرأي والتعبير والصحافة والنشر، لكنه ربط ممارستها بحدود القانون، إذ نص على "تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون".[1]
ويترجم قانون المطبوعات والنشر رقم (8) لسنة 1998 وتعديلاته هذا المبدأ، إذ أجازت المادة (4) ممارسة الصحافة لمهمتها في تقديم الأخبار والمعلومات والتعليقات بحرية، ضمن حدود القانون واحترام الحريات والحقوق العامة وحرمة الحياة الخاصة. وألزمت المادة (5) باحترام الحقيقة، فيما جعلت المادة (7) أخلاقيات المهنة واجباً ملزماً، يقوم على احترام الحقوق الشخصية، والتوازن والموضوعية والنزاهة، والامتناع عن نشر ما يثير العنف أو الفرقة بين المواطنين. [2]
وتؤكد هذه النصوص أن حرية التغطية الأمنية لا تعني إطلاق النشر بلا ضوابط، وأن حق الجمهور في المعرفة لا يبرر تداول معلومات غير مثبتة أو انتهاك الخصوصية والإضرار بحقوق الآخرين.
المعلومات الأمنية.. بين حق المعرفة وسرية التحقيق
تفرض المسؤولية المهنية والقانونية التزاماً صارماً بعدم استباق نتائج التحقيق أو إطلاق استنتاجات حول دوافع الحوادث وهويات مرتكبيها، مع ضرورة الالتزام الحرفي بالروايات الموثوقة والحقائق الثابتة الصادرة عن الجهات الرسمية.
وفي هذا الإطار، يحظر القانون الأردني بشكل قاطع نشر مجريات التحقيق دون إذن قضائي، حيث تنص المادة (39/أ) من قانون المطبوعات والنشر على أنه:
"يحظر على المطبوعة نشر كل ما يتعلق بأي مرحلة من مراحل التحقيق حول أي قضية أو جريمة تقع في المملكة إلا إذا أجازت النيابة العامة ذلك"
ويمتد هذا الحظر بموجب الفقرة (ج) من المادة نفسها ليشمل مراسلي وسائل الإعلام الخارجية. ولا يعطي هذا النص غطاءً لمنع التغطية أو حجب المعلومات بالكامل، بل يقتصر حصراً على تفاصيل التحقيق السرية ما لم تأذن النيابة العامة بنشرها.[3]
وبموازاة ذلك، تحتم أخلاقيات العمل الصحفي تجنب نشر الصور والتفاصيل الميدانية التي قد تعرض حياة الأشخاص للخطر أو تكشف معلومات حساسة تؤثر في مسار العدالة. ولا تعني هذه المحددات إخضاع الصحفي للرواية الرسمية أو مساساً باستقلاليته؛ فحق المساءلة والنقد والتحقق يظل مكفولاً، شريطة الفصل التام بين العمل الصحفي المستقل وبين سرية الإجراءات القضائية التي يحميها القانون.
الإدانة المسبقة وتقويض قرينة البراءة
تعد الإدانة المسبقة للمشتبه بهم والمقبوض عليهم من أبرز التجاوزات الإعلامية في التغطية الأمنية؛ إذ يقدمون كجناة عبر عناوين وصور وتعليقات توحي بثبوت التهمة قبل صدور حكم قضائي قطعي، مما يحول الإعلام لمحاكمة موازية.
ويكرس التشريع الأردني ومواثيق الشرف حماية هذا الحق، إذ تنص المادة (147/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية صراحةً على أن: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".[4]
كما تلزم المادة (3) من ميثاق الشرف الصحفي بمساندة عدالة القضاء وسيادة القانون، وعدم التحيز في قضايا لم يفصل فيها الحكم بعد.[5]
بناء على ذلك، تحتم المسؤولية المهنية الالتزام بالأوصاف القانونية الدقيقة (مشتبه به، متهم، مقبوض عليه، ظنين) تبعا للمرحلة الإجرائية، والامتناع التام عن نشر الاعترافات والتسجيلات المنسوبة لأشخاص قيد التحقيق دون التثبت من سياقها ومشروعية نشرها؛ صونا للعدالة واحتراما لقرينة البراءة.
المسؤولية القانونية لمستخدمي الفضاء الرقمي
لم تعد مسؤولية النشر حكراً على الصحفيين، بل امتدت لمستخدمي المنصات الرقمية؛ لا سيما عند تداول حوادث أمنية أو اتهامات تمس الأفراد والسلم المجتمعي. وفي هذا الصدد، حدد قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023 أفعالا تترتب عليها مسؤولية جزائية صارمة وفقا للنصوص التالية:[6]
المادة (15) تحظر إرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات تتضمن أخبارا كاذبة تستهدف الأمن الوطني أو السلم المجتمعي، أو تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير شخص.
المادة (16) تجرم إشاعة أو عزو أو نسبة أفعال لشخص قصدا ودون وجه حق، إذا كان من شأنها اغتيال شخصيته.
المادة (17) تمنع النشر القصدي لمحتوى من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، أو استهداف السلم المجتمعي، أو الحض على الكراهية أو الدعوة للعنف أو تبريره أو ازدراء الأديان.
المادة (20) تحظر نشر تسجيل أو صورة أو فيديو مما يحرص الشخص على صونه وعدم إظهاره للعامة، بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة.
تكتسب هذه المواد أهميتها لمنع تحول المنصات لساحات للاتهام بلا أدلة، أو ترويج الشائعات، واختراق الخصوصية بهدف التشهير.
ومع ذلك، لا يعد كل خطأ غير مقصود جريمة إلكترونية بالضرورة؛ إذ يظل تحديد المسؤولية القانونية خاضعا لسياق المحتوى وأركان الجريمة وقصدها، وهو أمر ينفرد بتقديره القضاء المختص.
انتهاك الخصوصية والإساءة لكرامة الضحايا
يمثل نشر صور الضحايا والمصابين في ظروف تمس كرامتهم، أو كشف بياناتهم الشخصية، واستغلال صدمة ذويهم، أحد أبرز التجاوزات المهنية في التغطيات الأمنية. ولا يمنح تداول المواد على منصات التواصل الاجتماعي مبررا تلقائيا لإعادة نشرها إعلاميا، إذ يظل المحرر ملزما بموازنة المصلحة العامة مع الضرر المحتمل على المتضررين وعائلاتهم.
وفي هذا السياق، تضع المادة (11) من ميثاق الشرف الصحفي ضوابط صارمة تفرض: [7]
احترام سمعة الأسر والعائلات والأفراد وسرية شؤونهم الخاصة، وتؤكد احترام الحياة الشخصية والعائلية والصحية والمراسلات، كما تدعو لتجنب الحصول على المعلومات والصور عن طريق التخويف أو المضايقة أو الملاحقة.
كما تولي المادة ذاتها حماية فائقة للأطفال الشهود والضحايا، وتحظر نشر أسماء أو تحديد هوية ضحايا الاعتداءات الجنسية إلا بموجب مسوغ قانوني.
وتأسيسا على ذلك، تحتم المسؤولية الأخلاقية حظر إبلاغ ذوي الضحايا بالوقائع الصادمة عبر وسائل الإعلام قبل الجهات المختصة، والامتناع الكامل عن كشف هوياتهم دون مبرر مهني وقانوني، والابتعاد عن إجراء المقابلات التي تستغل لحظات الانهيار النفسي والحزن لتحقيق الانتشار الرقمي وزيادة التفاعل.
خطاب الكراهية في التغطية الأمنية: وقود الفتنة والمسؤولية القانونية
تتحول الحوادث الأمنية أحيانا لبيئة خصبة لانتشار خطاب الكراهية، والتعميمات العرقية أو الدينية أو المناطقية، وتحميل الجماعات مسؤولية الأفعال الفردية.
وتصدياً لهذا الخطر، تفرض المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية عقوبات رادعة على النشر القصدي الذي يتضمن: إثارة الفتنة أو النعرات أو الحض على الكراهية أو الدعوة للعنف أو تبريره. [8]
بينما تلزم المادة (4) من ميثاق الشرف الصحفي بـ احترام الأديان وعدم إثارة النعرات العنصرية أو الطائفية أو التحريض على ارتكاب الجرائم.[9]
ولا تقتصر المسؤولية المهنية على الامتناع عن صياغة هذا الخطاب، بل تمتد لآليات التعامل التحريري معه؛ إذ يحظر تداول المنشورات التحريضية كـ آراء عادية أو إبرازها في العناوين بما يوسع انتشارها.
وفي المقابل، يجب الفصل بين النقد المشروع والتحريض، مما يتطلب تقييما مهنيا دقيقا لسياق التعبير ومضمونه دون إطلاق أحكام مرسلة.
مواثيق الشرف الصحفية.. معايير تتقدم على السبق والإثارة
تتكامل الضوابط القانونية مع ميثاق الشرف الصحفي الأردني (2003)، الذي جعل الأخلاقيات جزءا لا يتجزأ من حرية المهنة ورسالتها.[10]
حيث تفرض المادة (9) الدقة والموضوعية والتأكد من صحة المعلومات والأخبار قبل نشرها،كما تلزم الصحفيين بعدم نشر المواد المضللة، والفصل بين الحقيقة والرأي، وتصحيح الأخطاء، وأن يكون العنوان معبرا بأمانة عن المضمون.
وبموازاة ذلك، تحظر المادة (10) الإثارة والمبالغة في نشر الجرائم، بينما ترفض المادة (12) التشهير والاتهامات الجزافية.
وعلى الصعيد العالمي، يضع الميثاق العالمي لأخلاقيات الصحفيين (2019) احترام الحقائق وحق المعرفة في مقدمة الواجبات.[11]
إذ تؤكد المادة (5) منه أن الاستعجال في نشر المعلومات لا ينبغي أن يتقدم على التحقق من الوقائع والمصادر أو إتاحة حق الرد
وتوجب المادة (6) تصحيح المعلومات الخاطئة فوراً، فيما تلزم المادتان (8 و9) باحترام الخصوصية والكرامة الإنسانية، ونبذ خطاب الكراهية والتمييز.
وتتوج هذه المنظومة بـالمادة (11) التي ترسخ استقلالية الصحفي التامة عن الأجهزة الأمنية، وتحظر عليه العمل كمعاون لها.
وتعزز هذه المعايير مجتمعة مبدأ ثابتا الصحفي ليس طرفا في التحقيق ولا بديلا عن القضاء، بل هو مراقب مستقل وناقل أمين للحقيقة.
المؤسسة الإعلامية وقيادة التحرير: خط الدفاع الأول وحارسة البوابة
لا تنحصر المسؤولية المهنية في الصحفي الميداني وحده، بل تتحمل المؤسسات الإعلامية ورؤساء التحرير المسؤولية الأساسية في رسم سياسات تحريرية حازمة للتعامل مع الحوادث الأمنية، وضبط إجراءات التحقق من الأخبار العاجلة، وفحص المواد البصرية قبل نشرها منعا لتمرير أي اتهامات.
وتتضاعف هذه المسؤولية مع النشر المتزامن عبر حسابات التواصل الاجتماعي، لتفادي وقوع المؤسسة في فخ شرعنة الشائعة، حيث يؤدي النشر المتسرع لتحويل المنشور الأولي غير المؤكد لخبر موثوق لمجرد صدوره عن منصة إعلامية.
كما توجب الحرفية اعتماد آليات فورية لتحديث الأخبار وتصحيح الأخطاء، وإبراز التنويه بوضوح يوازي وضوح المادة الأصلية.وفي هذا الصدد، يلزم ميثاق الشرف الصحفي في المادة (9) المؤسسة الإعلامية بـ: نشر التصويب أو الاعتذار فور ثبوت الخطأ الذي كانت طرفا فيه، ومنح حق الرد للأفراد والمؤسسات ذات الصلة بموضوع النشر.[12]
لتظل القيادة التحريرية هي الضامن الأول لصدقية الوسيلة الإعلامية وحامية مسار العدالة.
معايير عملية للتغطية المسؤولة للحوادث الأمنية
يتطلب الالتزام القانوني تحويل الأخلاقيات لممارسات ميدانية حازمة. بناء عليه، يجب على الصحفيين ومستخدمي المنصات الرقمية تطبيق ضوابط للحد من التجاوزات وضمان تغطية أمنية مسؤولة.
التحقق الصارم: التثبت من المصدر والتاريخ والمكان، ورفض النقل عن حسابات مجهولة.
إسناد المعلومات: التمييز بين الرواية الرسمية والشائعات، ونسبة كل معلومة لمصدرها.
قرينة البراءة: عدم استباق التحقيقات القضائية، والامتناع عن تقديم المتهمين كمدانين.
سرية التحقيق: حظر نشر تفاصيل التحقيقات المحمية قانونا، أو ما يهدد سلامة الأشخاص.
الخصوصية: منع نشر صور الضحايا والمصابين وبياناتهم الطبية والشخصية صونا لكرامتهم.
خنق الإشاعات: الامتناع عن إعادة نشر الاتهامات غير المثبتة حتى لو كانت سياقا لردود الفعل.
نبذ الكراهية: تجنب التعميمات الدينية أو العرقية أو المناطقية، وعدم تضخيم التحريض في العناوين.
التصويب الفوري: الالتزام التام بإتاحة حق الرد وتصحيح الأخطاء فورا ودون إبطاء.
الفلترة الرقمية: إخضاع المحتوى العاجل والمواد البصرية لمراجعة تحريرية صارمة قبل النشر.
يوصي مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية بتبني استراتيجية تنفيذية حازمة لحوكمة التغطية الأمنية، ترتكز على إعداد أدلة تدقيق سريعة للمحررين، وتفعيل بروتوكول "التريث الذكي" بوقف النشر العاجل حتى صدور البيانات الرسمية، مع إخضاع الحسابات الرقمية وفلاتر التعليقات لرقابة صارمة تمنع خطاب الكراهية.
وتتكامل هذه الاستراتيجية بمأسسة التدريب القانوني للصحفيين حول التشريعات المحدثة، واعتماد دليل بصري يفرض تمويه صور الضحايا والأطفال صونا لكرامتهم، وإرساء مسارات معلنة للتصحيح الفوري؛ رعاية لسيادة القانون وحماية لأمن المجتمع.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني