تغطية قضايا الانتحار: مخالفات مستمرة في الإعلام

أكيد-لانا كزكز

تعتبر تغطية حوادث الانتحار من القضايا الحساسة في مهنة الصحافة من ناحية وجوب تغطيتها باعتبارها قضية تهم الرأي العام صاحب الحق في المعرفة أو الامتناع عن التغطية لوجود مخاوف من مساهمة الإعلام في التشجيع على الانتحار من خلال الطريقة التي تعرض بها هذه القضايا.

وفي ظل عدم وجود تشريعات واضحة ومحددة في كثير من الدول للتعامل مع قضايا الانتحار، اتجهت المؤسسات الصحافية الى وضع معاييرها الخاصة حول تغطية مثل هذا النوع من القضايا، وفي بعض الدول الأخرى كان للمنظمات الإنسانية التي تعنى بالحد من الانتحار دور في الوصول إلى مبادئ وأسس حول التعامل الأمثل للصحافيين مع مثل هذه القضايا، وذلك لدور وسائل الإعلام الكبير في توجيه الرأي العام والطريقة التي يتعاطى الجمهور مع حوادث الانتحار.

ويلاحظ في وسائل إعلام محلية تسابقها على تغطية حوادث الانتحار، وارتكاب مخالفات في صياغة عناوين مثيرة، الى جانب نشر الصور الواضحة لمرتكبي محالات الانتحار، ناهيك عن أن  مواقع إخبارية تشرح تفاصيل عمليات الانتحار (كالأدوات المستخدمة والطريقة والدوافع)، الا أن  الصحف والمواقع الإخبارية عموما تلتزم بعدم ذكر أسماء الأشخاص سواء الذين أقدموا على الانتحار أو من حاولوا الانتحار.

ومنذ بداية العام الحالي 2018، كشفت احصائيات رسمية عن انتحار 17 شخصا، الى جانب 9 محاولات انتحار رصدها "أكيد"، تنوعت فيها الدوافع والأسباب حسب ما نشر في وسائل الإعلام بين اقتصادية ونفسية واجتماعية. وتراوحت أعمار المنتحرين ومحاولي الانتحار بين 20 و 80 سنة،  إلا أن أغلب الحالات كانت بين أفراد الفئة العمرية 20- 30 سنة.

وبلغ عدد حالات الانتحار في  الأردن خلال عام  2016 (117) حالة، و (104) حالات انتحار لغاية شهر أيلول من عام 2017 حسب الاحصائيات الرسمية لإدارة المعلومات الجنائية في مديرية الأمن العام. وفي محاولة "أكيد" لرصد بقية حالات الانتحار لنهاية عام 2017 وجدنا 10 حالات إضافية ليصل المجموع الى (114) حالة.

وحول تعامل وسائل الاعلام المحلية مع هذه الحالات منذ بداية العام الحالي، فإن بعض المواقع الالكترونية، نشرت صوراً للشاب الذي أقدم على الانتحار من إحدى مناطق عمان، بعناوين جاذبة تحمل صوراً توثق حادثة الانتحار مثل: انتحار شاب عشريني رمى نفسه من أعلى جسر عبدون " صورة"، و انتحار عشريني قفز عن جسر عبدون (صور) و انتحار مواطن من اعلى جسر عبدون "صور".

وفي قضية محاولة سيدة الانتحار؛ نشرت وسائل الاعلام فيديو واستخدمت عناوين تركز على وجود فيديو وصور ضمن التقرير مثل: ثني فتاة عن الانتحار في عبدون.. فيديو، و بالفيديو .. انقاذ سيدة من الانتحار من فوق جسر عبدون باللحظات الاخيرة.

كما نشر فيديو للشاب الذي حاول الانتحار في إحدى مناطق اربد، وركزت العناوين أيضاً على وجود صور وفيديو يوثقان محاولة الانتحارمثل : بالفيديو والصور .. اربد: شاب يقدم على محاولة الانتحار حرقآ بسبب ظروف عائلية على دوار القبة.

ونشرت العديد من الصور والفيديوهات لمحاولة ثني فتاة عن الانتحار من فوق مبنى إحدى الجامعات: لهذا السبب ..محاولة انتحار طالبة في جامعة اليرموك …فيديو، بالصور والفيديو .. طالبة تحاول الانتحار من فوق كلية الحجاوي بجامعة اليرموك، بينما التزمت الصحف  بعدم نشر أي صورة أو فيديو لحادثة الانتحار واكتفت بذكر الخبر.

ونشرت وسائل الإعلام فيديو الرجل الذي حاول الانتحار من طابق عال داخل مبنى المحكمة، تناول أغلبها الموضوع من زاوية شجاعة رجل الأمن الذي منع الرجل من الانتحار: موقف بطولي لشرطي يحول دون انتحار خمسيني في مبنى محكمة بداية السلط (فيديو)،  بالفيديو .. رجل خمسيني يحاول الانتحار داخل محكمة بداية السلط و الامن يحول دون ذلك، بالفيديو .. انقاذ مواطن حاول الانتحار في اللحظات الأخيرة بمحكمة السلط،شاهد.. شرطي أردني يخاطر بحياته لانقاذ رجلا حاول الانتحار، بالفيديو ..مهارة شرطي محكمة السلط تحبط انتحار خمسيني.

ونشر فيديو وصور للرجل الذي هدد بالانتحار مع أطفاله من فوق عمارة في منطقة السابع، وتم التركيز في العنوان على وجود أبنائه معه وعلى السبب الذي دفعه للانتحار مثل: محاولة انتحار جماعية بمنطقة الدوار السابع و تواجد أمني كثيف / صور + فيديو، وفيديو .. رجل وابنيه يهددون بالانتحار في عمّان بسبب حقوق وظيفية، وعاجل .. بالفيديو و الصور .. محاولة انتحار جماعية لأب وابناءه بالقرب من الدوار السابع وتواجد أمني كثيف، ومحاولة انتحار جماعية بالقرب من الدوار السابع.. (صور)، و أب وأبناؤه يهددون بالانتحار قرب الدوار السابع - مباشر.

وقال عضو مجلس نقابة الصحفيين خالد القضاة في اتصال مع مرصد مصداقية الإعلام الأردني "أكيد"، أن الإنسان هو محور اهتمام الاعلام، وأن الإعلام قام على خدمة الإنسان، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإنسان لمادة إعلامية في قضية الانتحار، ويرى أن إيجاد مدونة سلوك تتفق عليها المؤسسات الإعلامية وتعيدها إلى دورها الأساسي سيسهم في الحد من حالات الانتحار.

وأضاف أن على الإعلام عدم ربط حالات الانتحار وتعليلها بأسباب عامة كحالة يأس أو ظروف اقتصادية صعبة أو فشل في الدراسة، لأن أي شخص يمر بمثل هذه الظروف سيتخذ الانتحار فكرة بديلة عن الواقع أو أنها أحدى الخيارات.

وتابع القضاة أن حالات الانتحار بدأت تأخذ منحى خطيرا، فسابقاً كانت تتوقف عند التهديد بالانتحار لتبدأ بعدها مفاوضات تنتهي معظمها بثني الشخص عن فكرة الانتحار، لكن ما بدأنا نراه هو تنفيذ لحالة الانتحار وخروجها من إطار التهديد.

وقال الدكتور حسين الخزاعي أستاذ علم الاجتماع ل"أكيد"، من خلال متابعته لما ينشر في الإعلام عن قضايا الانتحار، يرى أن الإعلام يكتفي بنشر الخبر باعتباره قصة صحافية وليس أكثر، وهو هنا يبتعد عن دوره التربوي والتوعوي والإرشادي.

كما يرى الخزاعي أنه من الأفضل لو تطرق الإعلام للانتحار من جانب توجيهي باعتباره سلوكا دينيا محرما ووصمة اجتماعية وسلوك عدواني ضد النفس البشرية مهما كانت الدوافع، إضافة لإغفال الإعلام عن موضوع أساسي أنّ القانون الأردني يتعامل مع شبهات الانتحار باعتبارها حالة قضائية حتى إثبات غير ذلك بعد الاستماع لتقرير الأجهزة الأمنية والطب الشرعي، وبالتالي لا يجوز البت فيها أنها قضية انتحار فور وقوعها.

وبحسب دراسة متخصصة، فأنه كلما ازداد حجم التغطية الإعلامية لقضية الانتحار ازدادت نسبة تكرار حالات الانتحار بشكل متتابع، وخاصة ما إذا كانت الشخصية مشهورة، وأكبر نسبة تقليد لحالات الانتحار وجدت بعد انتحار الممثلة المشهورة مارلين مونرو، حيث زادت نسبة الانتحار في نفس الشهر بنسبة 12 %..

كما أن أحدا العوامل التي تشجع على الانتحار هي بعض الروايات الأدبية، ففي عام 1774، تم حظر رواية "Goethe’s The Sorrows of Young Man Werther"، وهي رواية ينتحر فيها البطل بسبب حالة حب فاشلة، وكان ينظر إليها باعتبارها مسؤولة عن تقليد حالة الانتحار التي وردت ضمن الرواية في أماكن مثل إيطاليا، لايبزيغ، وكوبنهاغن.

وفي الفترة التي نشر فيها كتاب " Final Exit" الذي يتحدث عن الانتحار عند الأشخاص المصابين بأمراض طفيفة، وكانت الطريقة المثلى للانتحار حسب اقتراح الكاتب هي الاختناق، ارتفع عدد حالات الانتحار في مدينة نيويورك بنسبة 313% معظمها كانت بسبب الاختناق وبنفس الطريقة التي وردت ضمن الكتاب حسب ما أفادت تقارير الطب الشرعي وعلاوة على ذلك، وجدت نسخة من الكتاب ضمن 27٪ من مواقع الانتحار هذه.

ان الطريقة التي تغطي بها وسائل الإعلام يمكن أن تكون ذات أثر كبير في تتابع قضايا الانتحار، ومن هذا المنطلق طور مرصد مصداقية الاعلام الاردني "أكيد" مجموعة من الارشادات الأخلاقية في التعامل مع مسألة تغطية الإعلام لقضايا الانتحار، وهي:

- الحد من نطاق التغطية وتجنب الإثارة في التغطية وعدم ذكر أي معلومات مفصلة عن طريقة الانتحار أو المكان الذي حدث فيه الانتحار والابتعاد عن التعظيم من شأنه، وتجنب المبالغات الإيجابية حول المتوفى.

- الحديث عن العوامل المعقدة التي أدت إلى الانتحار – والتي في الغالب ما تكون نتيجة مشاكل نفسية بالغة التعقيد- وعدم لجوء الإعلام إلى تبسيط سبب الانتحار أونسب الفعل إلى عامل واحد مثل المشاكل المالية، أو العلاقات العائلية غير المترابطة، أو الفشل في الامتحانات.

- تجنب الأسلوب الدرامي في التقارير والابتعاد عن تصوير عملية الانتحار أو تحديد الوسائل المستخدمة والطريقة التي استخدمها الشخص في الانتحار.

- اعتماد مصطلح " توفي نتيجة الانتحار" على غرار ما نقول في حالة وفاة نتيجة أزمة قلبية مثلاً، في محاولة لتطبيع موضوع الانتحار على أنه سبب للوفاة وليس أكثر، وذلك لأنه عندما نقول مثلاً "قتل نفسه" أو "أنهى حياته" فنحن هنا نعطي أبعاداً للموضوع تتعدى قضية الموت.

- الابتعاد عن ربط أسباب الانتحار بظروف المجتمع، كتفسير حالة انتحار ما أنها جاءت نتيجة ارتفاع معدلات البطالة، أو ارتفاع معدلات الطلاق على سبيل المثال.

- تجنب رد سبب الانتحار إلى مشاكل بسيطة (على سبيل المثال، الطلاق، المرض، المشاكل والخلافات العائلية) الأمر الذي من شأنه أن يشجع على نسخ السلوك نفسه في قصص الانتحار فبعض الاشخاص الذين يجدون لديهم نفس المشكلة تتعزز لديهم فكرة أن الانتحار ربما يكون الحل، فكل ما تعرف الناس على تفاصيل أكثر حول قضية الانتحار كل ما زادت فرصة وجود عوامل مشتركة بينهم وبين الشخص الذي أقدم على الانتحار.

تحقق

تحقق