مُحاربة الأخبار المُفبركة: مهمّة أخلاقيّة وممارسة مهنيّة

أكيد – رشا سلامة -

   لا يفصل الخبراء في قِطاع التربية الإعلاميّة ومحاربة الأخبار المُفبركة بين الصحافة الاستقصائيّة وبين محاربة الأخبار المفبركة؛ على اعتبار أنّ هذا النوع من الصحافة يقوم على مبدأ البحث عن الحقائق واستقاء المعلومات من المصادر، كما أنّ جهد التحقّق، الذي يُعدّ عامود الخيمة في محاربة الأخبار المُفبركة، يقوم بشكل رئيس على مبدأ الاستقصاء.

من هنا، يقول مختّصون في هذا الشأن إنّ الخطوة الأولى في مكافحة الأخبار المُفبركة تتمثل في تكريس ثقافة البحث والتقصّي؛ لئلا يتغوّل الرأي على المعلومة، ولئلا تكون المادة قائمة على الانطباعات أو ما تدلي به مصادر مجهولة ليس هنالك من مبرّر لتجهيلها، وهو ما يشترك به كلّ من التحقيق الاستقصائي ومحاربة الأخبار المُفبركة، في آن.

وثمّة من يجد نقاط مشتركة أخرى تجمع بين الصحافة الاستقصائيّة ومحاربة الأخبار المُفبركة، أهمّها: نبش الوثائق والملفّات والمستندات وما إلى ذلك من سُبل إثبات الحقيقة، بالإضافة لتعرية ما يُروّج له – ما اصطُلِحَ على تسميته بـ "الذباب الإلكترونيّ" -  من تضليل وإعلام موجّه، عدا عن ضرورة تدقيق المعلومات قبل النشر بشكل وافٍ، وهو ما يشترك فيه محرّر الصحافة الاستقصائيّة والمحرّر الذي يعمل في قطاع محاربة الأخبار المُفبركة، وما يندرج أدنى هذا التدقيق من تحقّق ليس من صحّة المعلومات المذكورة فحسب، بل الأرقام والإحصاءات الواردة، والرسوم البيانيّة، والفيديوهات والصور المرفقة.

ويرى خبراء أنّ هناك ثلاث كلمات مفتاحيّة لمواجهة الأخبار المُفبركة، هي:

  1. المهنيّة: التي لا بدّ لمتلّقي الأخبار من التسلّح بها، والتي تعينه بدايةً على التمييز بين الأخبار والآراء.

 

  1. التشريعات: ويكون هذا من خلال تفعيل التشريعات، التي تضمن مزيداً من الوصول للمعلومات واستقاء التصريحات من مصادرها.

 

  1. الأخلاقيّات: التي تختلف عن تلك القانونيّة، لكنها لا تقلّ عنها في السطوة القيميّة، ويكون تكريسها من خلال التوعية التي تطال قطاعات واسعة من المجتمع مثل: المدارس، والجامعات، والإعلاميّين بالإضافة إلى ناشطي الـ "سوشال ميديا" وغيرهم.

 

ويذهب عدد من العاملين في قطاع محاربة الأخبار المُفبركة والمُتابعين لظاهرتها إلى محاولة تغيير مصطلح Fake News؛ استناداً لوجهة نظرهم أنّ الصحافي الذي قام بمهمّته على أتمّ وجه لن يخرج بـ  Fake News، بل سيكون مقصّراً من الناحية المهنيّة، وبالتالي فإنّ الاصطلاح المُقترح الذي يصف ما أدلى به أو وقع ضحيّته هو Disinformation.

ويوصي خبراء في هذا القطاع بضرورة تكوين بيئة صديقة للحريّات، بشكل عام، ومن بينها الحريّة الإعلاميّة، عدا عن محاولة اجتراح قانون عصريّ للمعلومات، من شأنه الحيلولة دون تشكّل الأخبار المفبركة، كما يوصي خبراء آخرون بضرورة توفير التربية الإعلاميّة للقطاعات كافة، ومن بينها القضاة والمدّعي العام، الذين يتعاملون مع قضايا من هذا القبيل، لكنهم لا يعلمون تفاصيل العمل الصحافيّ. (يقول خبراء إنّ المدّعي العام أو القاضي قد لا يعرف أنّ محرّر الصورة هو شخص آخر على الأغلب غير ناشر الخبر؛ ذلك أنهم لم يُحاطوا علماً بتفاصيل العمل الصحافي وتراتبيّته).

وينادي كثير من المعنيّين بمحاربة الأخبار المُفبركة بضرورة الإتيان بأخبار صحيحة وجعلها متاحة بين أيدي الجمهور؛ كوسيلة مثلى لمحاربة الأخبار المُفبركة التي تتأتّى بشكل رئيس عن غياب المعلومة وحجبها، وعدم إتاحتها أمام الراغبين في الحصول عليها.

ويُحصي خبراء مجموعةً من العوائق التي تقف في وجه محاربة الأخبار المُفبركة، من بينها: غياب التمويل وعنصر الاستدامة، بالإضافة لحجب المعلومات وعدم تمكين الصحافيّ من الحصول عليها، إلى جانب عدم مهنيّة كثير من الصحافيّين، أو انخراطهم في منظومة التضليل وتوجيه الرأي العام نحو وجهة بعينها، بالإضافة إلى غياب التشريعات الناظمة لهذا الجانب.

 

  • تمّ إعداد المادة، أعلاه، من فضاءات جلسة الحوار والمناقشة لمحاربة  الأخبار المفبركة، والتي عُقِدَت في عمّان، الأحد 23 حزيران 2019، ونظّمتها مؤسسة فريدريش ناومان للحريّات، بمشاركة "أكيد" الذي عرض تجربته على المشاركين.
تحقق

تحقق