أخطاء مهنية حوّلت أخبار حادثة شاحنات في الرقّة إلى وقود لخطاب الكراهية

أخطاء مهنية حوّلت أخبار حادثة شاحنات في الرقّة إلى وقود لخطاب الكراهية

  • 2026-02-10
  • 12

عمّان 10 شباط (أكيد)- عُلا القارصلي- نقلت وسائل إعلام محلية مقطع فيديو متداولًا على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر اعتداء مجموعة من الأشخاص على شاحنات، وأرفقته بعناوين ذات طابع تحريضي مثل: "الاعتداء على شاحنات أردنية في مدينة الرقّة"، و"اعتداء على شاحنات أردنية في الرقّة السورية"، و"اعتداء على شاحنات أردنية في سوريا ومطالبات بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل". ولمزيد من الإثارة، نقلت وسيلة إعلامية فيديو لشاحنات لا يظهر فيه أي اعتداء، ووضعت له العنوان التالي: "سائق شاحنة يوثّق مزيدًا من الاعتداءات على سائقي الشاحنات الأردنية في الأراضي السورية".

وقعت وسائل الإعلام التي نقلت الفيديو في مخالفة مهنية حين نقلت فيديو الاعتداء في الرقّة كحدث مجرّد دون تقصّي الأسباب أو توضيح الخلفيات، متجاهلةً معيارًا أساسيًا في العمل الصحفي وهو الإجابة عن سؤال (لماذا؟)، هذا القصور في البحث عن الدوافع حول الواقعة حوّلها من واقعة ميدانية إلى أداة تحريض، ما ترك فراغًا ملأه المتربصون لتغذية خطاب الكراهية. إن اختزال القصة في "الاعتداء" وتجاهل "السّبب" لا يمثّل تقصيرًا إعلاميًا فحسب، بل يُفضي إلى إثارة النعرات بين الشعبين.

وبالنظر إلى أنّ أرقام الشاحنات الأردنية التي دخلت إلى سوريا في العام الماضي، تشير إلى أنّها بلغت 31.4 ألف شاحنة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام دون تسجيل حوادث مشابهة، فإن هذا مدعاة للتساؤل حول سبب الاعتداء المشار إليه. وعليه عاد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) للبحث العكسي لتتبّع الخلفيات، وتبيّن أنّ أصحاب الشاحنات السورية كانوا قد أعلنوا إضرابًا عن العمل، مطالبين بتفعيل مكاتب الدور التي تنظّم عملية النقل وتوزيع الحمولات بعدالة، وإلغاء ما يُعرف بحرية النقل، ورغم تلقّيهم وعودًا بحل المشكلة، إلا أن عدم الإيفاء بهذه الوعود دفعهم، بعد عدة أشهر، إلى العودة للإضراب الذي تخلّله اعتداء على عدد من الشاحنات الأجنبية تعبيرًا عن الغضب، وباعتقاد خاطئ أن هذا التصعيد قد يؤدي إلى الاستجابة لمطالبهم.[1][2][3]

هذه الخلفية توضّح أن الحادثة لم تستهدف الشاحنات الأردنية تحديدًا لأنها أردنية، بل جاءت في سياق أزمة داخلية في سوريا تتعلق بقطاع النقل.

لاحقًا، اتّخذت الحكومة السورية قرارات أحادية مفاجئة تمثّلت بفرض قيود على الشاحنات الأجنبية على جميع المعابر، عبر قرار يمنع دخول الشاحنات الأجنبية، بما فيها الأردنية، إلى الأراضي السورية، وفرض نظام تنزيل الحمولة على المعابر وفق صيغة "باك تو باك"، مع استثناء الشاحنات العابرة بنظام "الترانزيت"، هذه الإجراءات تسبّبت بحالة من التكدّس والفوضى على المعابر الحدودية.[4]

وفي ظل غياب أي توضيح رسمي من الجانب السوري، يبدو أن القرار جاء في محاولة لاحتواء أزمة سائقي الشاحنات داخل سوريا، إلا أن تداعياته أربكت حركة النقل وتسببت بتكدس الشاحنات على المعابر الحدودية.

ويشير (أكيد) إلى أن هذه الحادثة تضع وسائل الإعلام أمام مسؤوليتها المهنية والأخلاقية، فأيّ خبر يحمل قابلية لإثارة خطاب كراهية يجب أن يُعالج بسؤال (لماذا؟) قبل النشر، لأن الإجابة عن هذا السؤال لا تبرر الحدث، لكنها تضعه في سياقه الصحيح، وتحمي الجمهور من التضليل، وتغلق الباب أمام استثمار الأخبار في التحريض وبث الكراهية.