عمّان 7 شباط (أكيد)- عُلا القارصلي- في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات مرايا للحياة، برزت ظاهرة "التّعرية الإلكترونية" كواحدة من أبشع أدوات العصر الحديث، هذا المصطلح لا يشير إلى العريّ الماديّ فحسب، بل هو فعل متعمّد يهدف إلى تجريد الإنسان من "ستره الاجتماعي" وخصوصيته، عبر نشر أسراره، أو محادثاته، أو صوره، وتحويلها إلى مشاع عام تحت سلاح "التريند"، إنها عملية اغتيال معنوي كاملة الأركان، تهدف إلى وضع الضّحية في قفص الاتّهام الشعبي وتجريدها من كرامتها أمام آلاف المتابعين بضغطة زرٍ واحدة.
لا يمكن التعامل مع ظاهرة التّعرية في الفضاء الرقمي بوصفها سلوكًا واحدًا أو حالة معزولة، فهي تتحرك ضمن منظومة معقّدة تتفرّع إلى ثلاثة مسارات رئيسة، لكل منها أدواته ومخاطره.
أول هذه المسارات، هو التّعرية الأخلاقية ذات الطابع الفضائحي، والتي تقوم على نشر صور أو مقاطع فيديو أو محادثات خاصة بقصد التشهير أو تصفية الحسابات، وغالبًا ما تُدار خارج أي اعتبار قانونيّ أو أخلاقيّ.
المسار الثاني يتمثّل في التّعرية التّقنية، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي، لا سيما تقنيات الـ Deepfake، لإنتاج محتوى مزيّف وخادش للحياء يُنسب زورًا لأشخاص حقيقيّين، مع تركيز واضح على استهداف النساء بهدف تقويض سمعتهنّ ومكانتهنّ الاجتماعية.
أما المسار الثالث، فهو التّعرية النفسية، وهي الأخطر من زاوية الاستدامة الرقمية، إذ يُقْدِم بعض الأفراد على كشف تفاصيل شديدة الخصوصية عن حياتهم بدافع الشهرة أو اللحاق بـ "التريند"، ما يحوّل هذا المحتوى لاحقًا إلى أداة ابتزاز وضغط نفسيّ، في مشهد يعكس غياب الوعي بمخاطر الاقتصاد الرقمي القائم على استثمار الخصوصية وتحويلها إلى سلعة.
في ضوء ذلك، يقع على عاتق الإعلام، بوصفه صاحب دور اجتماعي لا يقل أهمية عن دوره الإخباري، أن يكون خطّ الدفاع الأول في مواجهة هذه الظواهر الرقمية المتسارعة، لا مجرّد وسيط لنقل الوقائع.
ويشير مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) إلى أنّ هذا الدور المنشود للإعلام، يتجسّد في أنسنة القصص عبر نقلها من إطار الفضيحة والإثارة إلى مساحة إنسانية تضع الضحية في مركز السّرد، وتكشف الأثر النفسيّ والاجتماعيّ طويل الأمد لما يُتداول على أنه "تريند". فضلًا عن ذلك، يتحمّل الإعلام مسؤولية مباشرة في محاربة ثقافة الفضول السائدة، من خلال توعية الجمهور بأن فعل المشاركة أو التعليق ليس سلوكًا بريئًا، بل قد يرقى إلى شراكة في جريمة أخلاقية تُفاقم الضرر وتوسع دائرة الانتهاك.
ولما هو أبعد من التوعية الأخلاقية، يبرز دور الإعلام كـ "مترجم قانوني" للجمهور، فالحماية من هجمات التعرية تبدأ بمعرفة السلاح القانونيّ المتاح. وعليه، فإنّ من واجب المؤسسات الإعلامية، تسليط الضوء على أحكام قانون الجرائم الإلكترونية، والتي تفرض عقوبات رادعة تشمل الحبس والغرامات الباهظة لكل من تسوّل له نفسه انتهاك حرمة الحياة الخاصة.
كذلك يجب توضيح المسارات الآمنة للضحايا، مثل كيفية توثيق "الدليل الرقمي" عبر لقطات الشاشة والروابط، والتأكيد على سرية البلاغات لدى وحدات مكافحة الجرائم الإلكترونية لتبديد مخاوف "الفضيحة" التي تمنع الكثيرين من المطالبة بحقوقهم.
ويشدّد (أكيد) على أن مواجهة تريندات التّعرية هي معركة وعي قبل أن تكون معركة تقنية، فإذا كان العريّ الإلكتروني يسعى لنزع الستر عن الأفراد، فإن الإعلام القوي والواعي هو الكفيل بإعادة بناء هذا الستر من خلال تمكين المجتمع بالمعرفة والقانون. إن الاستمرار في تجاهل هذه الظاهرة، لن يجعلها تختفي، بل سيجعل من كل مستخدم للإنترنت ضحية محتملة في انتظار تريند قادم.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني