عمّان 26 حزيران (أكيد)- تظل تغطية أخبار الإعدامات من أكثر الملفات الصحفية حساسية، لأنها تمسّ الحق في الحياة مباشرة، وتضع الإعلام أمام اختبار مهني وأخلاقي صارم بين حق الجمهور في المعرفة وواجب احترام الكرامة الإنسانية. فالمسألة لا تتعلق بنقل خبر التنفيذ فقط، بل بكيفية صياغته، ودقة التحقق منه، واختيار لغة لا تنزلق للإثارة أو التشهير أو تطبيع العنف.
أظهر رصد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) للتغطيات الإعلامية حول إعادة تنفيذ أحكام الإعدام في الأردن خلال حزيران/يونيو 2026 تبايناً واضحاً في المعالجة التحريرية بين وسائل الإعلام، تبعاً لسياساتها وخطوطها التحريرية، ما انعكس على اختلاف زوايا الطرح وطبيعة التركيز في تناول الحدث.[1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12]
استخدمت بعض وسائل الإعلام عناوين ذات طابع إثاري، أبرزت عبارات مثل "شنقًا حتى الموت" و"رسالة لمن يجرؤ"، بما حوّل الخبر من معالجة إخبارية لخطاب يستدعي الانفعال ويضخم الأثر العاطفي للحدث. ويخالف هذا النهج ميثاق الشرف الصحفي الذي يدعو لتجنب الإثارة والمبالغة في العناوين، كما يتعارض مع المبادئ الدولية لأخلاقيات العمل الإعلامي، ومنها إرشادات اليونسكو التي تؤكد ضرورة استخدام لغة دقيقة ومحايدة، وتجنب الصياغات التي تمجد العنف أو تستعرض العقوبات.
مالت الأخبار لتبنّي الرواية الرسمية، فارتكزت على التأكيد بأن أحكام الإعدام نُفذت بعد "استكمال كافة الإجراءات الدستورية والقانونية" وأنها "اكتسبت الدرجة القطعية"، بينما بقي الحضور القانوني والحقوقي المستقل هامشيًا، ما قلّص مساحة النقاش وأضعف تعددية الزوايا في المعالجة، خلافًا لميثاق الشرف الصحفي، الذي يفرض التوازن وعدم الإكتفاء بوجهة نظر واحدة. فالمعالجة المهنية لا تكتفي بإعادة تدوير التصريحات الرسمية، بل تبني رواية متماسكة ومتعددة المصادر، تضع العقوبة في سياقها القانوني والحقوقي، وتفتح بابًا لنقاش مستنير حول العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.
أظهرت الأخبار محدودية في تنوع المصادر، إذ غابت عنها لحد كبير المقاربات القانونية والحقوقية المستقلة، واقتصر معظمها على الرواية الرسمية، ما حدّ من حضور آراء القانونيين والخبراء الحقوقيين والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان. ووفقًا لميثاق الشرف الصحفي، فإن مثل هذه التغطيات يفترض أن تقوم على رواية متوازنة ومتعددة المصادر، تضع الوقائع في سياقها القانوني والحقوقي، وتتيح للجمهور تكوين رأي مستند لمعلومات دقيقة وشاملة.
أبرزت الأخبار البعد الأمني والوطني بشكل واضح، من خلال التركيز على أن القضايا التي نُفذت فيها أحكام الإعدام أسفرت عن مقتل عناصر من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والأمن العام. كما تم استحضار تفاصيل قضايا بارزة مثل "خلية السلط" وقضية مقتل العميد عبد الرزاق الدلابيح، بما أضفى على التغطية طابعًا أمنيًا صريحًا، وربط تنفيذ الأحكام بمتطلبات حماية الأمن الوطني وتعزيز الاستقرار الداخلي.
أما منصات التواصل الاجتماعي فقد حظيت بتفاعل واسع عبر تداول الأخبار والمقاطع الرسمية حيث حققت مقاطع الفيديو والمنشورات انتشاراً ملحوظاً، كما انتشرت منشورات تتحدث عن وجود أكثر من 100 محكوم بالإعدام وإمكانية تنفيذ أحكام أخرى مستقبلاً، ما ساهم في توسيع النقاش العام حول الملف ما انعكس على الفضاء الرقمي بتفاعل منقسم بين مؤيدين للإعدام بوصفه أداة للعدالة، ومعارضين له باعتباره غير منسجم مع المعايير الحقوقية الحديثة.
يؤكد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) أن تغطية أخبار تنفيذ الإعدامات في وسائل الإعلام يجب أن لا تقتصر على نقل الوقائع أو التصريحات الرسمية، بل أن تضعها في سياق حقوقي وقانوني أوسع، يوازن بين مقتضيات العدالة الجنائية وحماية حقوق الإنسان. فالمسألة لا تتعلق بمجرد نقل خبر تنفيذ الحكم، بل بكيفية صياغته، وانتقاء مفرداته، وتقديم معالجة متوازنة ومتعددة المصادر وتجنب أي لغة مثيرة أو صادمة قد تحوّل التغطية لأداة للتشهير أو لمشهد يطبع العنف ويعيد إنتاجه.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني