قضية قتل الطفل ذي الإعاقة.... عنوان مثير لا ينسجم والمعايير الأخلاقية

انشغلت وسائل الإعلام الأردنية بقضية جثة الطفل المعاق التي عثر عليها متفحمة في إحدى البنايات في عمان في التاسع من آذار الجاري،  في تغطيه تشكل نموذجا لضعف تعامل بعض وسائل الإعلام مع القضايا التحقيقية.

عنوان على الصحفة الأولى  نشرته صحيفة السبيل بتاريخ 17 آذار، يقول " حرق طفله المعاق بالصويفية.. ثم ذهب لتناول الكنافة !"، وهو عنوان ينطوي على إثارة تخالف المعايير الأخلاقية في كونه يستفز مشاعر الجمهور.

وقال المستشار القانوني لنقابة الصحافيين المحامي محمد قطيشات، أن هذا العنوان من الناحية الانسانية والأخلاقية غير مقبول،  وهو مخالف لميثاق الشرف الصحفي وأخلاقيات مهنة الصحافة لكونه يثير الرأي العام.

وأضاف في  تصريحات  لمرصد مصداقية الإعلام الأردني " أكيد"، أن التعرض للحياة الخاصة للمتهم هو أيضا غير مقبول ونشر تفاصيل عن حياته من شأنه التأثير على الرأي العام وبالتالي قد يؤثر على المحاكمة"، وبرأيه فإن " القاضي بالنهاية هو إنسان يتأثر بما يقرأ ويرى ويسمع من أخبار".

ولضمان أحقاق العدالة دون تأثير، قال قطيشات أن تغطية أي جريمة يجب أن تنقل الواقع كما هو، وأن يبتعد الصحافيون عن عناوين الإثارة، وهذا لا يعني تجميل الخبر، مثلما يتوجب تجنب التعرض للحياة الخاصة سواء للمجني عليه أو الجاني.

ويلزم ميثاق الشرف الصحفي في مادته العاشرة الصحفيون بعدم نشر الإعمال ذات المستوى الفني الهابط التي تثير نزعة الشهوانية أو تشجع على الرذيلة أو الجريمة أو اثارة المشاعر المريضة التي يكون نشرها مخالفا لقيم المجتمع وأخلاقياته وعليهم  الابتعاد عن الاثارة في نشر الجرائم والفضائح وتجنب الألفاظ البذيئة والنابية.

ومن الناحية القانونية يرى المحامي المتخصص في قضايا المطبوعات والنشر محمد قطيشات إن نشر أي خبر عن الجرائم طالما أنه لا يتعرض لمحاضر التحقيق واجراءاتها فهو جائز ولا يخالف القانون.

وبالنظر الى مضمون خبر صحيفة السبيل، الذي تناقلته عشرات المواقع الإلكترونية، فقد تضمن  معلومات عن المتهم نقلها على لسان أشخاص، دون ذكر أسمائهم، يرون تفاصيل تتعلق بحياة المتهم الشخصية.

ووفقا للمعاير التي يطبقها " أكيد" فإن نشر هذه المعلومات لا تتضمن أي قيمة إخبارية، مثلما أنها تنطوي على كشف جوانب تتعلق بحياة المتهم الشخصية.

وفي هذا الإطار يطرح "أكيد" تساؤلات عن القيمة الإخبارية التي تضمنها الخبر والتي من بينها " أن القاتل كان يتميز بحسن الخلق، وكثيرا ما كان يساعد الجيران،  ويحضر المباريات في الاستاد، وكان يسكن لوحده قبل أن يتزوج زوجته الأولى، وأن والدته متوفية وهو صغير، وأن له شقيق واحد".

ووفقا للمحاضر في معهد الإعلام الأردني، الدكتور صخر الخصاونة فإن "  نشر مثل هذه المعلومات، وأن كانت تتعلق بحياته الشخصية،  قد تؤثر على عملية التحقيق والقضاء وقد يتخذها محامي الدفاع وسيلة لتبرئة المتهم".

وقال أن المتهم، وإن أعترف بجريمته، يبقى بريئاً حتى تثبت إدانته من قبل المحكمة واكتساب الحكم الدرجة القطعية، وبالتالي لا يجوز إثارة الرأي العام في القضية ضماناً للمحاكمة العدالة.

وفي إطار نشر الأخبار المتصلة بهذه الجريمة، لجأت مواقع الكترونية إلى التكهن في نشر وقائع مثيرة تبين لاحقا أنها عارية عن الصحة.

فبعد يوم من نشر بيان عن الأمن العام يفيد بواقع الجريمة، تكهنت مواقع الكترونية   من خلال خبر مفبرك نسخ في العديد من المواقع يقول " رجح مصدر أنه من الممكن أن يكون الطفل من أحد الأطفال المتسولين والذين غالباً لا يعلم ذويهم عن مكانهم أو من الممكن أن يكون الطفل ليس أردنياً".

هذه الفقرة جاءت تحت عنوان" الغموض يسيطر على قضية الطفل المتفحم في الصويفية"، وهو خبر استنتاجي تضمن معلومات وتكهنات شخصية  تخالف المعايير المهنية والأخلاقية، ومن شأنها تشويش الرأي العام وتضليله.

ولم تمض ثلاثة أيام على القضية حتى أعلن الأمن العام  بتاريخ 12 اذار عن أن "العاملون في مديرية شرطة جنوب عمان والبحث الجنائي كشفوا ملابسات العثور على جثة طفل مجهول محترقة في أحد العمارات المهجورة، والتي كان قد عثر عليها صباح الاثنين الماضي وتمكنوا مساء أمس الأربعاء من إلقاء القبض على مرتكب هذه الجريمة البشعة الذي لم يكن إلا والد هذا الطفل".

ولم يقم اي موقع الكتروني بالاعتذار أو حتى تصحيح الخبر.

وفي المقابل ينوه أكيد بتغطية صحيفة الغد  الإيجابية والتي عالجت الموضوع من زاوية  دور المؤسسات الرسمية في تحمل مسؤولياتها تجاه الأطفال ذوي الإعاقة.

وهي زاوية معالجة  تبرز دور الصحافة في طرح القضايا التي تعالج مشاكل وهموم المجتمع، حيث طرحت الصحيفة القضية من خلال تقرير بعنوان " أهالي المرضى يروون لـ الغد معاناتهم مع ارتفاع كلف التدريس والتأهيل.. مقتل طفل التوحد يطرح قضية عجز أسرعن علاج أبنائها" والذي نشرته الصحيفة بتاريخ 22/3/2015.

ويذكر مرصد مصداقية الأعلام الاردني بالمعايير الدولية في تغطية أخبار الجرائم والتي تميز بين خبر وقوع الجريمة ذاتها وبين أخبار التحقيق المتعلقة بهذه الجريمة وهي التي يرد عليها الحظر، فالجريمة حدث عام لا يمكن حجب وقوعه عن الجمهور , ومن حق الرأي العام أن يعرف ما يقع من جرائم فور وقوعها وأن يراقب كيفية قيام السلطات بواجبها , وليست هناك أي مصلحة تقتضي ببقاء خبر ارتكاب جريمة في طي الكتمان.

ويشير " أكيد" إلى أن نشر الأخبار عن وقوع الجريمة وبدء مجريات التحقيق وما تشمله من عمليات هي في صلب عمل الصحافة، دون الخوض في التفاصيل ونشر محاضر تلك التحقيقات، انطلاقا من الوظيفة الرقابية لوسائل الإعلام ودورها في الدفاع عن حق الانسان في الحياة، الى جانب المحافظة على سير العدالة دون ضغط من الراي العام المتأثر بالإعلام والأخبار التي قد تكون مضللة.

وفي قضية الطفل المتفحم، شوهت بعض وسائل الإعلام هذا الدور نتيجة عدم التحقق وإصدار الأحكام، ومارست التهويل واظهار بشاعة الجريمة ونشرت اخبارا من دون مصادر اتسمت بالتكهن والاستنتاجات الشخصية.

ولم تراع تلك الوسائل حساسية هذه القضية التي تشكل نموذجاً عمليا لإشكاليات التغطية الإعلامية  لجهة مدى مراعاة مبادئ التعامل الإعلامي الحساس للمحاكمة العادلة وضماناتها ومراعاة حقوق المجتمع والاطراف فالأصل في التحقيق السرية، وأن دور الصحافة لا يجب أن يتسم بالتهويل والاستناد على الاستنتاجات الشخصية للصحفي كون القضية تحقيقية وليست ذات طابع تحليلي.

وبالعودة الى النصوص القانونية  نجد أن قانون المطبوعات والنشر  نص في المادة (39) على أنه:

ــ يحظر على المطبوعة نشر كل ما يتعلق باي مرحلة من مراحل التحقيق حول اي قضية او جريمة تقع في المملكة الا اذا  اجازت النيابة العامة ذلك.

ــ للمطبوعة حق نشر جلسات المحاكم وتغطيتها ما لم تقرر المحكمة غير ذلك“.

في حين نصت المادة (225) من قانون العقوبات الأردني على أنه يعاقب بالغرامة من خمسة دنانير إلى خمسة وعشرين ديناراً من ينشر:

1 - وثيقة من وثائق التحقيق الجنائي أو الجنحي قبل تلاوتها في جلسة علنية .

2 - محاكمات الجلسات السرية .

3 - المحاكمات في دعوى السب .

4 - كل محاكمة منعت المحكمة نشرها .

كما نصت المادة 13 /ح من قانون حق الوصول للمعلومات رقم 47 لسنة 2007  على الآتي :

مع مراعاة احكام التشريعات النافذة ، على المسئول أن يمتنع عن الكشف عن المعلومات المتعلقة بما يلي :

ـــ التحقيقات التي تجريها النيابة العامة أو الضابطية العدلية أو الاجهزة الامنية بشأن أي جريمة أو قضية ضمن اختصاصها وكذلك التحقيقات التي تقوم بها السلطات المختصة للكشف عن المخالفات المالية أو الجمركية أو البنكية ما لم تأذن الجهة المختصة  بالكشف عنها .

كما ونصت المادة (14) من قانون انتهاك حرمة المحاكم على أن :

كل من نشر بإحدى الطرق المتقدم ذكرها إذاعات بشأن تحقيق جزائي قائم يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين .

وهذا الحظر يأتي في سياق المحافظة على سرية التحقيقات وضمان عدالة القضاء وعدم التأثير فيه، ويشمل الحظر أخبار التحقيق التي يحظر نشرها تتناول بطبيعة الحال نشر محاضر التحقيق نفسها بما فيها أقوال الشهود ومحضر استجواب المتهم ومحاضر الانتقال والمعاينة وتقارير الخبراء وغيرها من اجراءات التحقيق ونتائجها مثل اجراءات القبض والتفتيش وما يسفر عنها، وأوامر التوقيف أو الافراج التي تصدر عن سلطة التحقيق قبل التصرف في التحقيق.

ولا يشترط لتحقيق مخالفة الحظر أن يكون الخبر كاذباً كما لا يشترط وقوع ضرر نتيجة النشر أو أن يكون من شأنه التأثير في سير التحقيق فكل ما أشترطه القانون هو مجرد أن يكون الخبر متعلق هذا التحقيق، ولذلك فأن نشر البلاغ المقدم عن الجريمة التي يجري تحقيقها يعتبر محظوراً ,لأنه يعتبر نشر خبر بشأن تحقيق جزائي قائم.

بينما يجوز للصحافة نشر تعليقات ذات صفة عامة ولو كانت تشير الى الجريمة التي يجري التحقيق بشأنها. فنشر خبر بمناسبة وقوع جريمة معينة أو سلسلة من الجرائم ينتقد فيه كاتبه سلطات الأمن لتهاونها في اتخاذ الاجراءات اللازمة لضبط الجناة في الوقت المناسب، وذلك انتقاد للتراخي في التحقيق أو مطالبة بإذاعة بيان عن نتيجة التحقيق.

تحقق

تحقق