قبل خمسة أيام، بدأ مواطنو مدينة وادي موسى/ لواء البترا في محافظة معان، إضرابا عاما أعلنوا خلاله ما قالت أخبار إنه "عصيان مدني"، احتجاجا على استمرار ما بات يُعرف بأزمة "البيع الآجل".
الصمت الحكومي كان هو السمة الأبرز في تغطية الإضراب، الذي سبقه إضراب آخر على خلفية الأزمة ذاتها، نفّذه أبناء المدينة منتصف حزيران (يونيو) الماضي، واستمر ثلاثة أيام.
لقد نقلت وسائل الإعلام، في الإضراب الأخير، صور يافطات تعلن "العصيان المدني" على جدران المدينة التي تعطّلت فيها الغالبية الساحقة من المؤسسات العامة والخاصة، وأغلقت المحال التجارية. ورغم ذلك لم يكن هناك تصريح حكومي واحد يخبر الجمهور عن موقف الحكومة من الحدث، وخطتها للتعامل مع الأزمة. واليوم الخميس 26 تشرين الثاني (نوفمبر)، شارك الإعلام الحكومة الصمت، فقد خرجت ثلاث صحف من الصحف الأربع الرئيسية من دون كلمة واحدة عن الحدث، رغم أن صحيفة واحدة نشرت أن الإضراب مستمر لليوم الخامس على التوالي.
"البيع الآجل" أو "التعزيم"، نسبة إلى اسم أحد كبار التجار المتعاملين به، أو "الترميش"[1]، كما سُمي في بداية الأزمة، هو نشاط اقتصادي "غامض" بدأ في المنطقة قبل أربع سنوات تقريبا، ومارسه عشرات التجار في المدينة، الذين كانوا يشترون المنازل والأراضي والسيارات والماشية وغيرها من ممتلكات بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بنسبة تصل إلى 40%، ويدفعون لأصحابها بواسطة شيكات مؤجلة، يستوفيها البائعون بعد أشهر. وفي الوقت ذاته يبيع هؤلاء التجار هذه الممتلكات أقل مما اشتروها به، بنسبة تتراوح بين 15-20%. وليس هناك إلى الآن أرقام رسمية حول حجم التداول، ففي وقت قدّر النائب عن المنطقة، عدنان الفرجات، مبلغ الشيكات بـ70 مليون دينار. قالت تقديرات غير رسمية، إن المبلغ شاملا العقارات يصل إلى 200 مليون دينار.
ووفق وسائل الإعلام، فقد استمر هذا النشاط خلال السنوات الماضية وازدهر، من دون أي مشاكل، أو شكاوى من أي نوع، إلى أن تفجّرت الأزمة نهاية أيار (مايو) الماضي، عندما أوقعت هيئة مكافحة الفساد، في قرار مفاجئ، حجزا تحفظيا على أموال هؤلاء التجار، في إطار ما قالت إنه تحقيقات في شبهة "غسيل أموال"، وهي تحقيقات لم تُعلن نتائجها إلى الآن.
"صمت" الحكومة كان هو السمة الغالبة على مجمل التغطية الإعلامية التي استمرت طيلة الست شهور الماضية، ونقلت فيها الصحف الأربع أصوات نواب المنطقة، وممثلي عشائرها، والتجار، والمتضررين من الأهالي، لكنها سجّلت، في المقابل، حضورا باهتا بشدة لأصحاب القرار الحكومي، إذ أعطت التغطية الإعلامية، التي تلت إيقاع الحجوزات التحفظية، انطباعا قويا بأن الحكومة اختارت التنحي، وتسليم قياد هذه الأزمة للمجتمع المحلي في المنطقة. واللافت هنا هو أن وسائل الإعلام مارست ما يشبه "التطبيع" على هذا الغياب، إذ باستثناء تغطيتين أشارت فيهما صحيفة "الغد" إلى أنها تواصلت مع جهات حكومية في محاولة للحصول على إجابات، ولم يُستَجب لها، فإن التغطيات بشكل عام، واصلت نقل تفاعلات الأزمة، بما فيها سيل الاتهامات الموجهة إلى الحكومة بوصفها المسؤول الرئيس عما آلت إليه الأمور، من دون أن يشير أيّ من هذه الوسائل إلى أنه حاول الحصول على ردّ على هذه الاتهامات، أو توضيحات تبدد الضبابية المحيطة بالمشهد.
منتصف حزيران الماضي، أي بعد أسبوعين من انفجار أزمة "البيع الآجل"، نشر (أكيد) تقريرا عن التغطية الإعلامية للأزمة، لفت فيه إلى أن هذا النشاط الاقتصادي المثير للتساؤل، استمر لسنوات في البترا والجنوب بشكل عام، من دون أن تلتفت إليه وسائل الإعلام. وأن التفاتها المتأخر إليه في نيسان (أبريل) الماضي، جاء، بشكل أساسي، للترويج له. ومن هنا، كانت المفاجأة لأهالي المنطقة، وللجمهور بشكل عام، صاعقة بعد أقل من شهرين على هذا الترويج، عندما أصدرت هيئة مكافحة الفساد حجوزاتها التحفظية على أموال المتعاملين بهذا النشاط.
وقد لفت التقرير السابق أيضا إلى الصمت الحكومي، على تساؤلات وشكوك، بدأت بعض وسائل الإعلام تنقلها عن أهالي البترا، بخصوص هذا النوع من النشاط، أوائل أيار (مايو) الماضي، أي قبل ثلاثة أسابيع من إيقاع الحجز.
وهو صمت استمر بعد ذلك، فعندما حجزت "مكافحة الفساد"، نهاية أيار الماضي، على أموال التجار، صرّح مصدر فيها للإعلام باقتضاب، أن الهيئة تحقق في "شبهة غسيل أموال". وبعدها بأيام قليلة، خرج رئيس مجلس النواب، من اجتماع ضم نواب محافظات الجنوب ومسؤولين حكوميين هم رئيس الوزراء، ووزراء الداخلية والتنمية السياسية والإعلام، ليعلن في تصريح مقتضب آخر أن "الجهات المعنية تتابع بجدية كبيرة الملف، ولا يوجد أي خيوط إدانة بحق متورطين في القضية".
لقد نقلت وسائل الإعلام، بعد هذا الاجتماع "خيبة أمل" أبناء المنطقة، من مخرجاته. إذ لم يجد الناس طوال الأيام التي تلت الحجوزات التحفظية المفاجئة إجابات على تساؤلاتهم التي واصلت وسائل الإعلام نقلها. فقد أراد الناس فهم ماهية هذا النوع من النشاط الاقتصادي. وقد عرضت الغد" تحليلات لخبراء اقتصاديين، قدّموا فيها تصوّراتهم لطبيعة هذا النشاط، لكن أحدا من الحكومة لم يخرج لينفي أو يؤكد. ونقل الإعلام تساؤل المتضررين ونواب المنطقة عن سر الصمت الحكومي طيلة السنوات الماضية، ولم يتلقوا إجابة. كما نقل الإعلام عن متضررين أنهم خلال السنوات السابقة استفسروا من جهات حكومية عن شرعية هذا النشاط، فأبلغتهم هذه الجهات بأن "الأمور طبيعية، وليس من حق الدولة التدخل" طالما لا يوجد شكاوى من الأهالي، أو شيكات مرتجعة من البنوك. ومن هنا أراد الناس فهم السبب الذي جعل الحكومة تتدخل فجأة، في وقت تسير فيه الأمور كما سارت لسنوات، لكنهم أيضا لم يتلقوا إجابة.
وسط هذا المشهد الضبابي، بدأت وسائل الإعلام تنقل عن الأهالي ما يشي بفقدانهم الثقة في الحكومة، إذ تصاعدت مخاوف أؤلئك الذين خسروا منازلهم وأراضيهم ومدّخراتهم من أن تتحول هذه القضية إلى "مسلسل بورصات وهمية" جديد، وهي قضية كانت محافظات الشمال مسرحا لها العام 2008، وتتعلق أيضا بنشاط اقتصادي غير قانوني، خسر فيه الآلاف مدخّراتهم، وما زالت محاكمات المتورطين فيه قائمة إلى الآن.
وسط هذه المخاوف، نقل الإعلام منتصف حزيران الماضي تشكيل الأهالي لـ"فريق إدارة أزمة الجنوب"، المكون بحسب الأخبار من ممثلين لعشائر المنطقة، وكان أول ما فعله الفريق هو مطالبة هيئة مكافحة الفساد برفع الحجز التحفظي عن التجار، كي يستطيعوا سداد المستحقات لأصحابها، إذ أن الحجز على الأموال، هو وفق ادعاء التجار ما يمنعهم من دفع ما عليهم. وقد تزامن تشكيل الفريق مع إعلان المنطقة إضرابا عاما، توقفت فيه الحياة في المدينة، ورفعت على أسطح المباني "رايات سوداء".
الهيئة، بعد إضراب استمر ثلاثة أيام، رفعت الحجز عن أموال 84 شخصا. ورغم أنها قالت للإعلام إن "هذه الخطوة جاءت بناء على التحريات المالية الأولية الصادرة في هذه المرحلة من القضية"، وأن المدعي العام ما زال يستكمل تحقيقاته بخصوص الباقين وعددهم 35 شخصا. لكن التغطية نفسها التي نقلت خبر رفع الحجز، نقلت عن فريق إدارة أزمة الجنوب، إن الإضراب عُلّق بعد التوصل إلى "اتفاق" مع "مكافحة الفساد"، ترفع بموجبه الحجز عن أموال التجار، وتوعز للبنوك بقبول إيداع الأموال في حساب هؤلاء من دون أي قيود. وقد تلا ذلك بعدها بـ3 أسابيع تقريبا، رفع الحجز عن أموال 32 من الباقين.
لقد كانت هذه هي المرحلة في الأزمة التي تصدّر فيها فريق إدارة أزمة الجنوب المشهد، وصارت بياناته هي ما يقود التغطية الإعلامية. فهو من يقدم للجمهور المعلومات عن الموقف المالي للتجار وخططهم للسداد، وينسق معهم لبحث آليات السداد، ويضع برنامجا لصرف الشيكات ويديره، ويتواصل مع التجار بعد تعثّر عملية السداد. وهو من يمنحهم مُهلا للوفاء بديونهم، ويزوّد الجمهور أولا بأول بالمعلومات التي كان آخرها، أن هؤلاء التجار، ورغم رفع الحجز عنهم، لم يسددوا إلا قسما بسيطا من الديون المستحقة عليهم. وظهرت الحكومة، إلى جانب الفريق، في مناسبات قليلة جدا، منها عندما نسّق معها الفريق لاعتماد كاتب العدل في المنطقة، من أجل إجراء التسويات المرتقبة.
لقد جاء إمساك فريق "إدارة الأزمة" بزمام إدارة هذه القضية استجابة لدعوات نقلتها وسائل الإعلام بشكل حثيث عن أبناء المنطقة، ونوابها، ورجال دولة، طالبوا فيها باعتماد "الحلّ الاجتماعي". وارتكزت هذه الدعوة إلى الخصوصية الاجتماعية للمنطقة، حيث تشكل علاقات القرابة أساس البنية الاجتماعية فيها. وسيكون التصرف الحكيم، وفق هذه الدعوات، هو استثمار هذه العلاقات بجعلها المدخل لحلّ هذه الأزمة. وقد دعا البعض، في هذا السياق، إلى "حل مجتمعي يكون موازيا للمسار القانوني الرسمي"، في حين دعا آخرون إلى "تقديم الحل الاجتماعي على الحلّ القضائي". وفي وقت أشار فيه النائب عن المنطقة، عدنان الفرجات، بداية الأزمة إلى أن "للدولة الأحقية في حرصها على الجانب السيادي القانوني بإحالة الملف للقضاء"، عاد بعدها بيومين، وطلب من الجهات المعنية "تفضيل الحل الاجتماعي على الحل القانوني".
يلمس من يتابع التغطية الإعلامية خلال الستة أشهر الماضية، شبه غياب للصوت الحكومي، وسيخرج بانطباع قوي بأن الأزمة تُركت لأبناء المجتمع المحلي يتدبرونها بأنفسهم. فباستثناء خبر إلقاء القبض على 45 من المتعاملين بالبيع الآجل، أوائل أيلول (سبتمبر) الماضي، بعد ورود شكاوى عليهم، لم تنقل التغطيات أي إجراء حكومي. ولم يخرج أحد من الحكومة ليعلن نتائج أي تحقيقات، ولا ليخبر الناس عن الإجراءات التي اتخذتها أو التي تنوي اتخاذها.
وابتداء من منتصف آب (أغسطس) الماضي، يبدأ متابع التغطية الإعلامية بالتقاط المنحى الخطر الذي بدأ الخطاب الوارد من المنطقة المأزومة ينحو إليه. فبعد أن مُنح التجار المهلة وراء الأخرى، من دون سداد مستحقات الناس، بدأ الإعلام ينقل عن المتضررين وممثليهم "تهديدات" تلمّح إلى أخذ الحق باليد، فقد نقلت وسائل إعلام عن بيان لإحدى العشائر إنها بعد انقضاء المهلة الأخيرة الممنوحة للتجار ستعمد إلى "إغلاق جميع المنافذ والطرق المتوجهة للواء البتراء في خطوة تصعيدية لإجبار التجار بالبدء الفعلي لإعادة حقوق المواطنين المتضررين".
وقد تجاوزت التهديدات، التي نقلها الإعلام، التجار المتورطين في هذه النشاط إلى ذويهم، عندما نُقل عن بيان لإحدى القبائل أن "جميع تجار البيع الآجل وذويهم مطلوبون إلى أبناء قبيلتنا وسننتزع حقوقنا منهم دون ظلم أو عدوان". ونقلت تغطيات صراحة عن المتضررين إن "خمسة[2] تجار التعزيم مسؤولون مسؤولية كاملة عن تسديد مستحقات المتضررين بشكل عاجل وليس آجلا". ونقلت تغطية أخرى عن بيان آخر إنه "لن يتم التفاوض مع أي من تجار بعد هذا التاريخ، وسيكون التعامل مع خمساتهم". وبارك فريق إدارة أزمة الجنوب هذا التوجه، ودعا "التجار وخمساتهم العشائرية إلى الإيفاء بوعودهم".
وفي مواجهة هذه التهديدات المباشرة لذوي التجار، لم يخرج من الحكومة صوت في الإعلام يدافع عن هيبة القانون، ويقول صراحة إن من سيخضع للمحاسبة هم فقط الذين تورطوا في هذه المغامرة، لا من تصادف أنهم ارتبطوا بصلة بقرابة مع أحد المتورطين فيها.
لم تعلّق الحكومة على هذه التهديدات لأقرباء التجار، وسمحت بالتغوّل عليهم، فاضطر هؤلاء للرضوخ. وقد نقلت إحدى التغطيات أن ذوي أحد التجار، بعد انقضاء المهلة الممنوحة لهم، أصدروا بيانا أقروا فيه بالتزامهم متضامنين بدفع ديونه. وقالوا إن إجراءات بيع ممتلكاته وأخوته قد بدأت فعلا. ووفق البيان، فإن هذه الممتلكات لن تكفي لسداد الحقوق، لهذا رُهنت ممتلكات أقاربه "للحصول على أكبر نسبة قروض ممكنة بجميع الوسائل المتاحة". وطالبوا بمنحهم مهلة أربعة أشهر، هي الفترة التي يحتاجها إنجاز هذه الإجراءات.
وفي الأثناء، كان الإعلام يطبّع جمهوره على هذا الانتهاك، ويساند الحكومة في تركها هؤلاء وحيدين في الساحة، وذلك عندما نقل هذه التهديدات بوصفها "المطالب الشعبية (...) لإلزام ذوي وأقارب التجار بسداد ديونهم". وقد نقلها الإعلام من دون استقصاء ردّ حكومي عليها، ومن دون إرفاقها بأي صوت منتقد لها، يوصّل إلى الجمهور رسالة مفادها أنه لا شرعية لما يحدث.
[1] "الترميش" هو الاسم السعودي لنشاط مماثل يُمارس في السعودية. وقد استخدمته وسائل الإعلام الأردنية في التغطيات الأولى للأزمة، قبل أن تستقر على اسم "التعزيم"، وهو الاسم المستخدم فعليا في الجنوب. للقراءة عن ظاهرة "الترميش" السعودية، انقر هنا.
[2] "خمسة الدم" في القضاء العشائري هم أقرباء الشخص إلى الجد الخامس.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني