عمّان 25 شباط (أكيد)- سوسن أبو السندس- منذ بداية شهر رمضان المبارك، برزت أخبار المشاجرات بشكل لافت في التّغطية الإعلامية إذ تصدّرت النّشر بوتيرة شبه يومية بمعدل يقارب خبرين في اليوم، إلى جانب إعادة تدوير بعض الوقائع والمشاجرات عبر منصّات وسائل التواصل الاجتماعي، ما يُسهم في ربط الشّهر الفضيل بالعنف وتكريس صورة نمطية سلبيّة عنه.
تتبّع مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) أخبار المشاجرات باستخدام أسلوب البحث المتقدم من خلال البحث بكلمة "مشاجرة" خلال الأسبوع الأخير، وتم جمع 23 مادّة إعلامية تمثّل 13 حادثة منفصلة، فيما أُعيد تدوير حادثتين بعينهما عبر 10 موادّ، أي ما يقارب 43 بالمئة من إجمالي التغطية خلال فترة الرصد. ولوحظ غياب السّياق والتّحليل والمعالجة الصّحفية، إلى جانب تفاوت واضح في حجم الاهتمام بين حادثة وأخرى، الأمر الذي أسهم في تضخيم بعض الوقائع على حساب المعالجة المتوازنة لبقية الأحداث.
تمثّلت الحادثتان اللتان نالتا النصيب الأكبر من التغطية بمشاجرة العلكومية التي تخلّلها حادث دهس وتكسير مركبات، ومشاجرة كفر أبيل في محافظة إربد، إذ أُعيد تناول هاتين الواقعتين عبر عدة وسائل، إضافة إلى منصّات التّواصل الاجتماعي بصيغ متعدّدة، ما منحهما حضورًا مضاعفًا في التغطية الإخبارية.[1] [2]
وقد لوحظ لجوء بعض الوسائل عبر منصّات التواصل الاجتماعي إلى استخدام توصيفات مثيرة مثل "كرّ وفرّ"، و"طوشة تحوّلت لساحة حرب"، وهي عبارات تميل إلى التّهويل والمبالغة عوضًا عن النّقل الدّقيق للحادثة. ويُعد هذا الأسلوب غير مهني لأنّه يستبدل المعلومة بالإثارة، ويغيب عنه السّياق والتفسير، كما يُضخّم الحدث بصريًا ولفظيًا بهدف جذب التفاعل، على حساب المعايير الصحفية القائمة على الدّقة والتوازن والمسؤولية الاجتماعية. [3] [4]
هذا وقد برز اعتماد مكثّف على المقاطع المصوّرة بوصفها مدخلًا رئيسًا للنشر، في مقابل محدودية المعلومات التفسيرية المصاحبة، الأمر الذي حوّل بعض المواد إلى محتوى بصري يركّز على المشهد أكثر من المضمون، دون متابعة لاحقة لمسار التحقيقات أو نتائج الإجراءات القانونية، ما أبقى تغطية الأحداث في إطارها اللحظي دون أيّ قيمة خبرية.
ويُذكر أنّ تضخيم أخبار المشاجرات عبر التّكرار والتّركيز على حوادث بعينها تُسهم في تشكيل صورة ذهنية غير دقيقة لدى الجمهور حول مدى انتشار العنف في المجتمع. وقد يتعدّى الأمر ذلك إلى محاكاة العنف أو تبريره، خاصّة لدى ضعاف النفوس باعتباره أمرًا اعتياديًا خلال شهر رمضان، فضلًا عن تغذية مشاعر القلق والتّوتّر.
ولم يقتصر حضور أخبار المشاجرات في التّغطية على الحوادث المحلّية فقط، بل امتد إلى وقائع خارج الأردن، حيث نُشرت موادّ عن مشاجرات في دول أخرى ،من بينها حادثة داخل مسجد في مصر، وأخرى في سوريا، ما وسّع نطاق هذا النّوع من المحتوى في المشهد الإخباري خلال فترة الرصد، وأسهم في حضور خطاب العنف والمشاهد الصادمة بدل التركيز على القضايا المحلية ذات الأولوية أو تقديم معالجة تفسيرية للسياق الاجتماعي لهذه الحوادث.[5] [6]
يشير (أكيد) إلى أن تغطية المشاجرات ينبغي أن تقوم على معالجة مهنية متوازنة تضع الحدث في سياقه الاجتماعي والقانوني، عوضًا عن الاعتماد على التكرار والتهويل وإعادة تدوير الواقعة ذاتها بصيغ مختلفة. كما تقتضي المسؤولية الصّحفية الموازنة بين متى يكون النشر ضرورة إخبارية، ومتى يتحوّل إلى إعادة إنتاج للعنف دون قيمة مضافة. ويتقاطع هذا النهج مع ما توضحه نظريات الإعلام، لا سيما بشأن ترتيب الأولويات والتأطير، إذ إنّ التكرار المكثف واللغة المثيرة لا يعكسان الواقع بقدر ما يعيدان تشكيله في وعي الجمهور، ويدفعان المتلقّي إلى النّظر إلى هذه الحوادث بوصفها الحالة السائدة ضمن إطار درامي مضخّم.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني