عمّان 17 كانون الثاني (أكيد)- عُلا القارصلي- وصلت نسبة إشغال السجون في الأردن إلى نحو 180بالمئة، وهو رقم يعكس تكلفة الحبس التقليدي بما ينطوي عليه من اكتظاظ خانق، واستنزاف مالي، وتفكك أسري، وبيئة عقابية تخلط بين مرتكبي الجنح البسيطة ومعتادي الإجرام، ما يسهم في إعادة إنتاج الجريمة بدل الحد منها، هذا الواقع دفع المشرّع الأردني إلى إقرار القانون رقم (12) لسنة 2025 المعدِّل لقانون العقوبات، والذي أَلغى المادة (25 مكررة) من القانون الأصلي، واستعاض عنها بنص موسّع لبدائل العقوبات السالبة للحرية. كما عدّل المادة (25 مكررة ثانيًا) لضبط آليات التطبيق.[1] [2]
وفي ظل الضغوط المتزايدة على مراكز الإصلاح والتأهيل والتحدّيات الاقتصادية التي تثقل كاهل الخزينة، اتّجه الأردن إلى الاستثمار في بدائل قانونية تهدف إلى تخفيف الاكتظاظ، وحماية النسيج الاجتماعي، والحفاظ على إنتاجية الأفراد، ضمن مقاربة تسعى لبناء نموذج عدالة أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأعلى أثرًا، ليس على مستوى إدارة السجون فحسب، بل على مستقبل السياسة الجنائية عمومًا.
وبالنظر إلى أنّ الإعلام فاعل محوري في نقل المعلومة، وتشكيل الفهم العام، وتأطير النقاش المجتمعي حول التشريعات، أجرى مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) رصدًا كميًا ونوعيًا للمواد الإعلامية المنشورة منذ الخامس من أيّار 2025، وهو تاريخ إقرار مجلس النواب مشروع القانون المعدل لقانون العقوبات لعام 2025 وحتى 12 كانون الثاني 2026، على مدى 33 أسبوعًا، بهدف قراءة أداء الإعلام ومدى إسهامه في تحويل النص القانوني إلى وعي مجتمعي قابل للفهم والتقبّل والتطبيق.
جُمعت العيّنة عبر محرك البحث غوغل، باستخدام الكلمات المفتاحية: "العقوبات البديلة وبدائل العقوبات السالبة للحرية". واشتملت العيّنة على 71 مادة إعلامية بمعدل يقارب مادتين أسبوعيًا. توزعت ما بين 54 مادة خبرية (76 بالمئة) ركزت على نقل خبر إقرار القانون المعدّل لقانون العقوبات والتصريحات الرسمية، والأرقام المتعلقة بالمستفيدين، مقابل 17 مادة (24 بالمئة) تناولت شرح أهمية العقوبات البديلة وتأثيرها وآليات تطبيقها، وشملت تقارير مكتوبة، ومقالات رأي، ومقابلات تلفزيونية، وبرنامجًا حواريًا.
لاحظ مرصد (أكيد) أن الإعلام تعامل مع أرقام الذين شملتهم العقوبات البديلة بذهنية نقل أرقام لا تحليل سياسات، فقد نُشرت أرقام عن سنوات كاملة، وأخرى عن أشهر محدّدة، وأحيانًا أرقام تراكمية منذ بدء التطبيق، وفي مواد أخرى، جرى الحديث عن "عدد المستفيدين" دون توضيح ما إذا كان المقصود أحكامًا صدرت، أو عقوبات نُفّذت، أو حالات أنهت التنفيذ فعليًا، هذا الخلط الزمني والمفاهيمي خلق صورة مجتزأة، وأنتج محتوى خبريًا سريعًا وفقيرًا للتحليل. وغاب عن التغطية المواد المعمّقة التي تفكّك كل رقم ضمن سياقه: مصدره، فترته، وما الذي يمثّله فعليًا في دورة العدالة، وفي مقدّمة ذلك كيف انعكس هذا التطبيق المتدرّج للعقوبات البديلة على تخفيف الاكتظاظ في مراكز الإصلاح والتأهيل، بوصفه أحد المؤشرات الجوهرية على نجاح السياسة الجنائية، لا مجرد رقم يُستهلك ثم يُنسى.
كما رصد (أكيد) عددًا من المعلومات غير الدقيقة في بعض التغطيات، أبرزها الخلط بين تعديلي عام 2022 وعام 2025، لا سيّما في ما يتعلّق بالخدمة المجتمعية، إذ نصّ التعديل الأخير على إلزام المحكوم عليه، وبموافقته، القيام بعمل مدفوع الأجر لخدمة المجتمع لمدة تحدّدها المحكمة، على ألّا تقل عن 50 ساعة بواقع خمس ساعات يوميًا، في حين عرّفت مادة إعلامية الخدمة المجتمعية استنادًا إلى تعديل عام 2022 بوصفها عملًا غير مدفوع الأجر يتراوح بين (50–200) ساعة، ويعود هذا الخلط إلى الاعتماد على نص القانون القديم الذي حدّد سقفًا أعلى للخدمة المجتمعية بلغ 200 ساعة، بينما لم يحدّد تعديل عام 2025 حدًا أعلى لها. [3]
كما تم الخلط بين مفهوم العقوبات البديلة ومعدِّل قانون العقوبات، إذ لا يوجد قانون مستقل للعقوبات البديلة، إنما تنظمها المواد (25 مكررة) و(25 مكررة ثانيًا) من قانون العقوبات. كذلك أوحى عنوانُ خبر أنّ مجلس النواب أقرّ عقوبات بديلة جديدة، في حين أن ما جرى هو إقرار تعديل على قانون العقوبات وتوسّع في العقوبات البديلة التي هي مطبّقة في الأردن منذ عام 2018، وجرى تأطيرها بنظام خاص عام 2022. [4] [5] [6]
وتخلّلت التغطيات أيضًا مادّة أخلّت مهنيًا بمعيار الدقّة، حيث استخدمت عنوانًا يصف المشمولين بالعقوبات البديلة بـ "المجرمين"، رغم أن فئات واسعة منهم تنطوي أحكامهم على مخالفات سير أو متعثرين ماليًا. كما نُشر مقال رأي شكّك بفعالية العقوبات البديلة، مشيرًا إلى ضعف أثرها الردعي وقصور الرقابة، وانتقائية التطبيق، والوصمة الاجتماعية، وغياب البرامج التأهيلية، والتقييم العلمي، ما يعكس فجوة واضحة بين الطابع الإصلاحي للقانون وطريقة تناوله إعلاميًا.[7] [8]
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني