الدّين العام في التّغطيات الإعلامية .. يحتلّ مرتبة متقدّمة ويصنع تعدّدًا في السرديّات

الدّين العام في التّغطيات الإعلامية .. يحتلّ مرتبة متقدّمة ويصنع تعدّدًا في السرديّات

  • 2025-11-27
  • 12

عمّان 27 تشرين الثّاني (أكيد)- سوسن أبو السُّندس- مع اقتراب الدين العام من حاجز 47 مليار دينار، تصاعدت سرديات متعدّدة تفسّر أسبابه وتداعياته عبر وسائل الإعلام.

البيانات الرسمية تُظهر أن الارتفاع في قيمة الدين ترجع إلى فوائد تراكمت من التزامات سابقة، في حين تشير تغطيات اقتصادية إلى أنّ الدين يواصل مساره الصاعد بوتيرة مقلقة، وأنّ خدمة الدين، أي الفوائد باتت تستحوذ على جزء متزايد من الإيرادات قبل أي إنفاق مالي. وبين هذه القراءات،ّ يبرز ملف الدين العام كقضية متعدّدة الأصوات تعكس عمق التعقيدات الاقتصادية والاختلاف في طرق قراءة الأرقام.[1]

وبهدف تقييم التغطية الإعلامية المتعلقة بحجم الدين العام وأسباب ارتفاعه والسرديات التفسيرية المصاحبة لها، أجرى مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) رصدًا لعيّنة قصدية شمل تحليلًا كميًا ونوعيًا لأربعين مادة  إخبارية منشورة عبر 14 وسيلة إعلامية، وذلك خلال الفترة الممتدّة من أيار وحتى تشرين الثاني 2025، للوقوف على حجم واتّجاهات التغطية الإعلامية.

وجاء في نتيجة الرصد أن 45 بالمئة  من المواد بحسب العيّنة تبنّت سردية نقديّة ترى أنّ الدّين يرتفع بشكل مقلق، وأنّ خدمة الدين باتت عبئًا متقدمًا على أيّ إنفاق إنتاجي. ويشير هذا الاتّجاه إلى أن الزّيادة الأخيرة في المديونية تعكس اختلالات هيكلية مستمرة في المالية العامة، حيث تلتهم خدمة الدّين جزءًا كبيرًا من الإيرادات، ما يحدّ من قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية. وتدعو التغطيات الإعلامية بحسب العيّنة المرصودة إلى مراجعة بنية النفقات الجارية وسياسات الاقتراض لضمان استدامة مالية أكثر صلابة.[2] [3]

في المقابل، تبنّت 30 بالمئة من العيّنة، السردية الحكومية التي تفسّر الارتفاع بأنّه ناجم أساسًا عن فوائد مترتبة وتسديد التزامات سابقة، وأنّ الاقتراض الفعلي محدود ولا يمثّل توسعًا جديدًا في المديونية. وتستند هذه الرواية إلى أنّ الجزء الأكبر من الزيادة يرتبط بخدمة دين قديم واستحقاقات اليوروبوند، وهي قروض خارجية على شكل سندات دولية تلتزم الحكومة بسدادها في مواعيد محدّدة، في ما لم يتجاوز الاقتراض الجديد 900 مليون دينار، وذهب جزء منه لمشاريع رأسمالية. وتؤكّد المواد التي تبنّت هذا الاتجاه، أنّ الأردن ملتزم بسداد التزاماته، وأنّ العلاقة مع صندوق النقد والمساعدات الخارجية تعزّز استدامة الدين، مقدِّمة الملف بوصفه تراكمًا تاريخيًا تعمل الحكومة الحالية على إدارته وخفض تكاليفه لا توسيعها. [4] [5] [6]

أما الـ 25 بالمئة الباقية من المواد، فجاءت تحليلية محايدة، وقدّمت قراءة تضع الدّين العام ضمن سياق اقتصادي واسع، رابطـةً ارتفاعه بتراكم أزمات عالمية مثل أسعار الطاقة والغذاء، والأحداث الجيوسياسية، إضافة إلى جائحة كورونا، وارتفاع الفائدة عالميًا، وتُظهر هذه السردية أنّ الإشكالية لا تكمن في حجم الاقتراض فقط، بل في ضعف الإيرادات مقابل النفقات، وارتفاع تكلفة خدمة الدين.[7] [8] [9]

وعليه، فقد أظهر الرصد الإعلامي بحسب عيّنة البحث أنّ السرديات الإعلامية الموزّعة بين الخطاب النقدي والخطاب الرسمي، خلق حالة من الاستقطاب الإعلامي بين رأيَيْن لاستحواذهما على النسبة الأكبر من التغطية بنسبة بلغت 75 بالمئة، في ظل  ضعف السردية التحليلية، رغم اتّساقها الأكبر مع البيانات، الأمر  الذي انعكس بشكل مباشر على فهم الجمهور لموضوع الدين العام، والذي ظهر تفاعله عبر منصّات التواصل بشكل متوتّر ومنقسم.

بين هذه السرديات المتباينة، تبرز ورقة المجلس الاقتصادي والاجتماعي "أثر الديون على التنمية المستدامة" كمرجع يساعد في وضع النقاش في سياقه المهني. وتبيّن الورقة أنّ فهم الدين العام لا يرتبط بحجمه وحده، بل بقدرة الدولة على إدارته وخدمته بكفاءة.

 فالاستدامة المالية تُقاس بقدرة الحكومة على سداد الفوائد وأقساط الديون في مواعيدها، وبحجم الاقتصاد ونموّه، وتنوّع إيرادات الدولة، وجودة الإنفاق العام. كما أن القدرة على الاقتراض بشكل مستمر وبشروط معقولة تُعدّ مؤشّرًا حقيقيًا على سلامة الوضع الائتماني والمالي للأردن، إذ إن استمرار استعداد المؤسسات الدولية والمموّلين لإقراض الدولة، يعكس ثقتهم بقدرتها على السداد وإدارة التزاماتها، وإلّا لن يكون الاقتراض ممكنًا أصلًا. وعلى ذلك، فإنّ الدين بحدّ ذاته ليس مشكلة، بل يصبح مشكلة عندما تتجاوز تكلفة خدمته قدرة الاقتصاد .[10]

وكشف الرصد عن وجود أخطاء مهنية أسهمت في تعزيز ارتباك الجمهور تجاه ملف الدين العام، أبرزها الخلط بين الزيادة في رصيد الدين والاقتراض الفعلي، عبر عرض الارتفاع الإجمالي وكأنّه ديون جديدة، ما خلق انطباعًا مضللًا عن توسّع حكومي في الاقتراض.

وبرز أيضًا الاستخدام غير الدقيق لمفهوم اليوروبوند دون توضيح أنّها سندات خارجية تستحقّ السداد وفق آجال محددة، الأمر الذي زاد الالتباس في تفسير أسباب الارتفاع. إلى جانب ذلك، ظهرت مبالغات رقمية واجتزاء للبيانات الرسمية عبر تجاهل نسب خدمة الدين أو الفوائد، وهي عناصر أساسية لفهم الصورة الكاملة، هذه الأخطاء أدّت إلى تناقل سرديات ناقصة جعلت الجمهور يتعامل مع معلومات غير مكتملة تعتمد على الانطباع أكثر من اعتمادها على المعطيات الدقيقة، في ما اتّخذت الحكومة خطوات لمحاسبة من يقدّم معلومات اقتصادية غير مكتملة أو مجتزأة حول الدين العام. [11] [12] [13] [14]

يشير (أكيد) إلى أن تعدّد السرديات الإعلامية بحدّ ذاته، يعكس دورًا رقابيًا مهمًا للصحافة، غير أن المشكلة برزت عندما تقدّمت الانطباعات على الأرقام الدقيقة، فتنوع الآراء أمر صحّي، لكن غياب التفسير المهني وضعف تحليل البيانات، حوّل قضية اقتصادية معقدة إلى جدل مربك للجمهور.