عمّان 9 آب (أكيد)- عُلا القارصلي- يُعدّ اختلال التوزيع الديمغرافي مشكلة عالمية تواجهها كثير من الدول، لا سيما في المنطقة العربية، نتيجة تركز السكان في العواصم وعواصم الأقاليم والمدن الساحلية، وضعف الربط التنموي للمناطق الداخلية والريفية.
في الأردن، تتفاقم هذه المشكلة بصورة مقلقة، إذ أظهرت بيانات المجلس الأعلى للسكان في تموز 2025 أن 91.9 بالمئة من السكان يعيشون في النصف الشمالي من المملكة، والذي لا تتجاوز مساحته 15 بالمئة من أراضيها، مقابل 8.1 بالمئة فقط في الجنوب، ما يمثل تراجعًا إضافيًا مقارنة بدراسة 2023 التي أشارت إلى تركز 90 بالمئة في الشمال و9 بالمئة في الجنوب، هذه الأرقام لا تُظهر عمق الخلل فحسب، بل استمرار تعمّقه بمرور الوقت.[1][2]
التوزيع السكاني غير المتوازن ليس مجرد خلل إحصائي، بل ينعكس سلبًا على البيئة، والاقتصاد الريفي، وتمكين النساء، والأمن الغذائي، فضلًا عن التكاليف الإدارية والمالية الضخمة الناتجة عن ضغط السكان في رقعة جغرافية ضيقة، لذلك يتعيّن على الإعلام أن يتحوّل إلى أداة استراتيجية للتنمية المتوازنة، من خلال شرح أهداف اللامركزية ومتابعة تطبيقها، وبناء ثقة الجمهور بالسلطات المحلية، وإبراز قصص نجاح المناطق النائية، وتسويق الجنوب كموقع جاذب للعيش والعمل من خلال تسليط الضوء على فرص العمل وميزات الجنوب، وكسر الصورة النمطية بأن العاصمة هي وحدها مركز النجاح.
تابع مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) تغطية وسائل الإعلام المحلية لبيانات التوزيع الديمغرافي، بهدف تقييم كيفية تعاطيها مع هذه القضية، فأظهرت نتائج الرصد أن الاهتمام الإعلامي بالمشكلة كان محدودًا، حيث اقتصرت التغطية على مقابلات تناولت أسباب الخلل في التوزيع السكاني، والتي وصفها الخبراء بأنها مشكلة تاريخية مصنوعة بفعل القرارات السياسية والاقتصادية، إلى جانب مركزية الدولة في تقديم الخدمات.
أشار الخبراء إلى أن المناخ يُعدّ عاملًا جاذبًا في شمال المملكة، في حين يُعدّ طاردًا في الجنوب، إلا أن هذا لا يكفي لتفسير التفاوت، فهناك مناطق في الشمال مثل عجلون تُعد طاردة للسكان بسبب نقص الخدمات التنموية، أما في الجنوب، فالمشكلة لا تتعلق فقط بالمناخ، بل أيضًا بعدم توفر بيئة مناسبة لإقامة المشاريع نتيجة شح المياه وغياب الاستثمارات، وهو ما يعيق تحقيق التنمية. في المقابل، تُعدّ العقبة -وهي إحدى محافظات الجنوب- منطقة جاذبة للسكان بسبب وجود المشاريع، ويُقدّر أن 25 بالمئة من سكانها ليسوا من سكانها الأصليين.
حاول الخبراء البحث عن حلول سريعة لأن معدل نمو السكان الحالي 1.9 بالمئة، وإذا استمر هذا المعدل سيتضاعف عدد السكان بعد 36 عامًا، وهذا يعني اكتظاظ خانق في الشمال، ويجب التفكير باستيعاب الزيادة السكانية لتفادي الضغوطات على الخدمات. ولعلّ أبرز الحلول المقترحة في هذا الإطار، هو بناء مدن جديدة تكون جاذبة للسكان. وبناء المدن، يجب ألا يتجاهل قانون استعمالات الأرض، مع وجوب التقيّد بعدم السماح للعمران قبل مدّ شبكات الصرف الصحي والمياه لتفادي التكاليف الإدارية والمالية والبيئية. [3] [4] [5]
لاحظ (أكيد) أن بعض وسائل الإعلام أولت اهتمامًا بجوانب محدّدة من تداعيات التوزيع السكاني غير المتوازن، وركّزت بشكل خاص على الأزمة المرورية المتفاقمة، خصوصًا مع التوقعات بوجود مليون سائق جديد خلال السنوات العشر المقبلة، وطُرحت مقترحات متعددة للتعامل مع هذه الأزمة، مثل تطبيق نظام الفردي والزوجي، وإنشاء مدن جديدة خارج العاصمة، ودفع التوسع العمراني نحو جنوب عمّان بعد منطقة المطار، إضافة إلى تبني مفاهيم التخطيط الحضري الذكي. ولم يُولِ الإعلام اهتمامًا لتأثيرات هذه المشكلة على الاقتصاد والبيئة والأمن الغذائي، رغم خطورتها وتداخلها مع تحدّيات التنمية المستدامة.
يدعو (أكيد) وسائل الإعلام إلى الانتقال من التغطيات النمطية إلى أداء دور فعّال كأداة من أدوات التنمية المستدامة، من خلال تسليط الضوء على تجارب الدول التي نجحت في مواجهة مشكلة التركّز السكاني. فمثلًا، واجهت فرنسا تحديًا كبيرًا بسبب الترّكز الشديد للسكان والخدمات في العاصمة باريس، فبدأت منذ أوائل الثمانينات بتطبيق سياسة لامركزية تدريجية، عزّزتها لاحقًا بتعديلات دستورية، تمثّلت في نقل الصلاحيات المالية والإدارية إلى الأقاليم والبلديات.
أما كندا، فتبنّت برنامجًا مبتكرًا حمل اسم "برنامج الهجرة الريفية والشمالية"، يهدف إلى جذب المهاجرين من أصحاب المهارات إلى المجتمعات الريفية التي تعاني من تناقص سكاني ونقص في الأيدي العاملة. وفي كوريا الجنوبية، جرى العمل منذ التسعينات على إنشاء مدن جديدة متكاملة مثل "سيجونغ" و"بانغي"، ونُقلت بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية إليها، إلى جانب توفير سكن ميسّر وبنية تحتية حديثة. كما يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى مثل أستراليا والمغرب. [6] [7] [8] [9]
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني