26 تشرين الأول (أكيد)-سوسن أبو السُّندس- سجّل مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) 26 إشاعة ومعلومة مضللة خلال 48 ساعة عقب أحداث الكرك، تنوعت بين معلومات متضاربة واتهامات غير مثبتة، ولم تقتصر على تفاصيل الهجوم وهوية منفذيه، بل امتدت إلى اتهام جماعات وجهات داخل الأردن وخارجه، وإعادة توظيف تصريحات سياسية سابقة وتوقعات منسوبة إلى منجّمين، ما يطرح تساؤلًا حول كيفية تشكّل هذه الروايات وانتشارها في أعقاب الحادثة.
واعتمد (أكيد) في رصده تعريف الإشاعة بأنها المعلومات أو الأخبار غير الصحيحة أو غير الدقيقة، المرتبطة بشأن عام أردني أو بمصالح أردنية، والتي وصلت إلى أكثر من خمسة آلاف شخص تقريبًا عبر وسائل الإعلام الرقمي، سواء نُفيت رسميًا أو من الجهة ذات العلاقة أم لا.
وبالمقارنة مع المعدل اليومي للإشاعات البالغ نحو ثلاث إشاعات حتى 22 تشرين الأول 2026، قفز عدد الإشاعات المرصودة خلال 48 ساعة عقب أحداث الكرك إلى 26 إشاعة، أي ما يعادل نحو تسعة أضعاف العدد الذي كان يُرصد يوميًا قبل الحادثة، وبمعدل 13 إشاعة يوميًا خلال فترة الرصد، الأمر الذي يعكس كثافة المعلومات المتداولة حول الحادثة.
وأظهر الرصد تركز الإشاعات في ثلاثة مجالات فقط من أصل ستة مجالات يعتمدها (أكيد) في تصنيف الإشاعات، وهي الأمني والسياسي والاجتماعي، دون تسجيل حالات ضمن المجالات الاقتصادي والصحي والشأن العام. وتصدر المجال الأمني بـ15 إشاعة، بنسبة بلغت نحو 58 بالمئة، تلاه الاجتماعي بـ6 إشاعات، نحو 23 بالمئة، ثم السياسي بـ5 إشاعات، نحو19 بالمئة من حجم الإشاعات المرصودة عقب الحادثة ب48 ساعة.
وشكّلت الإشاعات ذات المصدر الداخلي المحلي18 إشاعة، نحو 69 بالمئة من الإشاعات المرصودة ، مقابل ثماني إشاعات من مصدر خارجي بنسبة بلغت نحو 31 بالمئة.
وعلى صعيد مصدر النشر، رُصد تداول 19 إشاعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بنسبة بلغت نحو 73 بالمئة ، مقابل 7 حالات عبر وسائل الإعلام بنحو 27 بالمئة، منها خمس حالات صُنّفت ضمن النشر الإعلامي المحلي، وحالتان ضمن النشر الخارجي، وتناولت معلومات متضاربة عن أعداد المنفذين وأعداد الشهداء، وروايات نسبت الهجوم إلى جهات معينة وقضايا أمنية واجتماعية.

وأظهر تحليل مضمون الإشاعات المرصودة أنها لم تتخذ شكلًا واحدًا، بل تشكّلت حول ثلاثة أسئلة رئيسية وهي : ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ ولماذا وقع الهجوم؟ وتعتبر هذه الأسئلة مشروعة في أعقاب الحادثة، إلا أن المسؤولية الاجتماعية تتطلب عدم نشر الإجابات التي لم تستند إلى معلومات مؤكدة.
أنماط الروايات والمعلومات المتداولة:
أولًا: حين تتسابق المعلومات مع الوقائع
تركز جانب من الروايات المضللة على التفاصيل المباشرة للحادثة، بدءًا من أعداد المنفذين وجنسياتهم والشهداء، وصولًا إلى أنباء القبض على المتورطين، ووقوع إطلاق نار في محافظة مأدبا بالتزامن مع أحداث الكرك.
وتعكس هذه الحالات طبيعة الحاجة إلى المعلومات خصوصا في الساعات الأولى للأزمات، حيث يبحث الناس عن إجابات سريعة للاطمئنان وفهم ما يجري، بينما تكون بعض الوقائع ما تزال قيد التحقق.
ويشير (أكيد) إلى أهمية التفرقة بين نوعين من المعلومات، وهما الأخبار الأولية التي قد تتغير مع تطور الأحداث، وبين الادعاءات التي تتضمن وقائع محددة تُقدّم باعتبارها مؤكدة، رغم عدم ثبوتها، مثل الادعاء بأن أحد منفذي الهجوم كان قد أُخلي سبيله بكفالة قبل وقوع الجريمة بأيام، وهو ما نفاه وزير الداخلية مازن الفراية مساء الجمعة.
وتكتسب هذه الرواية أهمية محددة لأنها لم تقتصر على نقل معلومة عن الحادثة فحسب، بل انطوت على اتهامات تتعلق بمسؤولية الإجراءات السابقة قبل وقوع الحادثة، وهنا ينتقل الادعاء من وصف الحدث إلى تقديم تفسير له وما يصاحبه من تجييش دون أن يكون له أساس واقعي.
ثانيًا: عندما تتحول الشكوك إلى اتهامات
لم تتوقف الروايات المتداولة عند تفاصيل الهجوم، بل امتدت إلى نشر صور وأسماء أشخاص وعائلات، وربطها بمنفذي العملية الإرهابية، في وقت لم تكن فيه الجهات الرسمية قد أعلنت هوياتهم. كما جرى تداول معلومات عن صلات عائلية وتنظيمية محتملة، بعضها أثار ردودًا وبيانات عائلية بشأن ما نُشر.
ومع إعلان مديرية الأمن العام، الاثنين 26 تشرين الأول، إلقاء القبض على المنفذين، والكشف رسميًا عن هوياتهم، بات من الضروري التمييز بين المعلومات التي جرى تداولها قبل الإعلان الرسمي وما تأكد منها لاحقًا.
ولم تقتصر الروايات على هويات المنفذين، بل امتدت إلى ربط الهجوم بتنظيمات سياسية وجهات داخلية وخارجية ودول مجاورة، في ظل غياب معلومات رسمية تؤكد بعض هذه الاتهامات خلال فترة الرصد.
ويشدّد (أكيد) على أن مسؤولية وسائل الإعلام ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي تقتضي التحقق من المعلومات قبل نشرها أو إعادة تداولها، خصوصًا عندما تتضمن اتهامات لأشخاص أو عائلات أو جماعات أو جهات لم تثبت صلتها بالحادثة. فالمعلومات غير الموثقة قد تتسبب بأضرار اجتماعية وعشائرية وقانونية، حتى وإن ثبتت صحة بعض تفاصيلها لاحقًا. ولا تقتصر مسؤولية النشر في مثل هذه الظروف على دقة المعلومة، بل تشمل مراعاة توقيت نشرها وآثارها المحتملة على الأفراد والسلم المجتمعي، خصوصًا في ظل الحزن الذي يخيّم على البلاد.
ثالثًا: البحث عن تفسيرات تتجاوز الوقائع:
أظهر الرصد اتجاهًا آخر من الروايات انشغل في البحث عن تفسير للحادثة من خلال تداول توقعات منسوبة إلى شخصيات اشتهرت بالتنبؤ بالأحداث، وربطها بالهجوم باعتبارها تنبؤات سابقة بوقوعه.
ويجدر الإشارة إلى أنه وبعد مراجعة التغطيات الإعلامية المنشورة قبل حادثة الكرك، وجد (أكيد) أن تصريحات منسوبة إلى ليلى عبد اللطيف تناولت احتمالات حدوث توترات أمنية وإقليمية على الأردن، لكنها لم تحدد الهجوم على كنيسة حمود كما تم تداوله، مع الإشارة إلى أن الاستناد إلى أقوال المنجّمين والعرّافين في تفسير الأحداث لا يستند إلى أسس علمية موثوقة، وأن تقديم هذه الأقوال في التغطيات الإعلامية بوصفها مؤشرات على وقوع أحداث فعلية يتعارض مع المعايير المهنية القائمة على الدقة والتحقق والاستناد إلى مصادر موثوقة.
وفي اتجاه آخر، جرى ربط الهجوم بأحداث تاريخية وقضايا فكرية ودينية واجتماعية، دون الاستناد إلى أدلة تثبت صلتها المباشرة بالحادثة. كما تم رصد معلومات مضللة عبر منصات وحسابات خارجية ، من بينها ادعاء بأن الأردن اتهم تنظيمات عراقية بالوقوف وراء الهجوم، وأنه يعتزم الرد عليها واستهدافها، وذلك من خلال إعادة توظيف تصريحات رسمية أردنية سابقة صدرت في سياق التطورات العسكرية الإيرانية الأمريكية، حذّر فيها الأردن تنظيمات عراقية من استهداف أراضيه.
وتُظهر هذه الحالة أحد أساليب التضليل القائم على إخراج التصريحات من سياقها الزمني والموضوعي، وربطها بأحداث لاحقة لإضفاء مصداقية على معلومات غير مثبتة.
ثلاثة إشاعات حصلت على نفي رسمي:
من بين 26 إشاعة، ورد نفي رسمي أو توضيح بشأن ثلاثة إشاعات ، فيما تكرر تداول الادعاء المتعلق بالقبض على منفذي الهجوم قبل حصول ذلك يوم الإثنين مع ملاحظة أن غياب النفي الرسمي عن بقية الادعاءات لا يعني صحتها، إذ تضمنت معلومات غير موثقة واتهامات وتفسيرات لم تتوافر أدلة كافية لإثباتها .
وتاليًا أبرز الإشاعات التي ورد بشأنها نفي رسمي أو توضيح ومتابعة:

ويخلص (أكيد) إلى أن خطورة المعلومات المتداولة عقب أحداث الكرك لا تُقاس بعددها وحده، بل بطبيعة ما تحمله من اتهامات وتفسيرات غير مثبتة، وما قد يترتب عليها من أضرار تتجاوز الفضاء الرقمي إلى الواقع الاجتماعي.
وأن مسؤولية وسائل الإعلام ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي تقتضي التحقق قبل النشر، دون المساس بحق الجمهور في المعرفة أو مشروعية التساؤل عما جرى، فالمطلوب إتاحة المعلومات الدقيقة وتحديثها، والتمييز بوضوح بين الوقائع والافتراضات، وعدم تحويل التحليلات إلى حقائق أو الاتهامات إلى إدانات، في حادثة خلّفت هذا القدر من الألم، يصبح النشر المسؤول التزامًا مهنيًا وإنسانيًا ومجتمعيًا.
كما تُظهر عمليات الرصد والمتابعة التي ينفذها (أكيد) على مدى السنوات الماضية أن الأزمات والحروب والأحداث الأمنية تشكّل بيئة خصبة لانتشار الإشاعات والمعلومات المضللة، خصوصًا مع تصاعد القلق وحاجة الجمهور إلى معرفة ما يجري، واتساع الفجوة بين الأسئلة المطروحة والمعلومات المؤكدة المتاحة، وقد تم رصد تكرار هذا النمط خلال أزمات مختلفة، حيث تتسع مساحة الروايات غير الموثقة والتفسيرات المتضاربة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني