عمّان 3 آذار (أكيد)- عُلا القارصلي- بدأت ملامح التحوّل الجذري في الأردن بشأن الأشخاص ذوي الإعاقة مع صدور القانون رقم (20) لسنة 2017، والذي شكّل الإطار التشريعي الناظم لسياسات الدمج لهذه الفئة الاجتماعية،. فقد نصّت المادة (27) من القانون صراحةً على وضع حدٍّ زمني ينتهي في عام 2027 لتحويل مراكز الإيواء إلى جهات خدماتية نهارية، بما يعني إنهاء نموذج الإقامة الدائمة تدريجيًا والانتقال إلى بدائل قائمة على تقديم الخدمات دون عزل الأشخاص عن أسرهم.[1]
يستند هذا التحوّل إلى تبنّي الدولة لما يُعرف بـ"النموذج الاجتماعي" للإعاقة، وهو تصوّر يرى أن الإعاقة لا تنبع من الحالة الجسدية ذاتها بقدر ما تنتج عن العوائق البيئية والسلوكية والتنظيمية المحيطة بالفرد، فالهدف الاستراتيجي لا يقتصر على إغلاق مراكز، بل إعادة هندسة منظومة الرعاية بما يضمن بقاء الشخص في بيئته الأسرية، مع توفير خدمات التأهيل والدعم اللازمين. ويتوافق هذا التوجه مع المعايير الدولية التي تعدّ العيش المستقل حقًا أصيلًا لا يقبل التجزئة.
ومع اقتراب الموعد النهائي لتنفيذ خطة بدائل دور الإيواء، لاحظ مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) تحولًا لافتًا في التغطية الإعلامية، فقد انتقلت من التركيز على الدعوة لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة وعرض النصوص القانونية، إلى الانخراط في النقاش العامّ الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي حول قدرة المنظومة الوطنية على الانتقال من نموذج الرعاية المؤسّسيّة إلى نموذج العيش المستقل، هذا التحول كشف عن فجوة بين الطموح التشريعي وتعقيدات التطبيق العملي.
على مستوى الخطاب الإعلامي، برز انقسام واضح بين اتّجاه مؤيد وآخر متخوّف؛ فالمواد التي تبنّت خطابًا مؤيّدًا استندت إلى منطق "الحق الدستوري" والالتزام القانوني، وقدّمت الدمج باعتباره استحقاقًا حقوقيًا غير قابل للمساومة. وركّز هذا الاتّجاه على إنهاء العزلة الاجتماعية وتعزيز الكرامة الإنسانية، مع التأكيد على أنّ القرار ليس ارتجاليًا، بل ثمرة مسار تشريعي مخطّط له منذ عام 2017. كما أبرزت هذه التغطيات بدائل مثل "البيوت الجماعية"، والمراكز النهارية بوصفها أدوات انتقال منظّم نحو العيش المستقل.
تبنّت المواد المتخوفة خطابًا أكثر حذرًا، وركّزت على ما وصفته بـ "الدمج القسري" ونقلت احتجاجات أسر عدّت أنّ إخراج الحالات الشديدة من المراكز قد يكون قرارًا مجحفًا لا يراعي قدرة الأسر الفعلية على توفير الرعاية المنزلية. كما سلّطت الضوء على الفجوة التمويلية، مشيرة إلى أن المساعدات المالية المخصّصة لا تغطي تكلفة الرعاية التمريضية والمستلزمات الطبية المنزلية، إضافة إلى التحذير من مخاطر غياب الرقابة الكافية عن بعض ترتيبات الرعاية البديلة.
يشير (أكيد) إلى أنّ التغطية الإعلامية غلب عليها الطابع الخبري القائم على نقل التصريحات والآراء، مع غياب التحقيقات الاستقصائية التي تقيس جاهزية البيئة المنزلية والخدمات المساندة فعليًا. كما لم تتناول التغطيات بعمق مدى الالتزام بتطبيق المادة (25) من القانون، والتي تُلزم الجهات الحكومية وغير الحكومية التي يتراوح عدد العاملين فيها بين 25 و50 موظفًا بتشغيل شخص واحد على الأقل من ذوي الإعاقة، وإذا زاد عدد العاملين عن 50 موظفًا، بتخصيص ما نسبته 4 بالمئة من أعداد العاملين فيها لهذه الفئة. ويُعدّ هذا النص أحد أعمدة الدمج الاقتصادي، ما يستدعي تقييمًا دوريًا لمدى تنفيذه فعليًا في سوق العمل، لأن نجاح الدمج الاقتصادي هو مؤشر على نجاح الدمج الأسري.
كذلك لم تناقش التغطيات الإعلامية بشكل معمّق اتّفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006، رغم الاستناد إليها في تبرير إغلاق المراكز، إذ تنصّ المادّة (19) من الاتّفاقية على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في العيش المستقل والاندماج في المجتمع، مع التأكيد على مبدأ الاختيار الحر، بحيث لا يجوز إجبارهم على العيش في إطار أو ترتيب معيشي محدد، ويعني ذلك أن التحوّل نحو البدائل المجتمعية يجب أن يستند إلى إرادة الشخص نفسه، لا أن يتحول إلى التزام قسري باسم الدمج.[2]
ويدعو (أكيد) إلى ضرورة الانتقال إلى خطاب إعلامي إرشادي يواكب المرحلة الانتقالية، بحيث لا يكتفي بتغطية القرار بل يشرح تبعاته العملية، ويشمل ذلك توعية الأسر بمفهوم "الترتيبات التيسيريّة المعقولة" التي يوجب القانون على الدولة توفيرها، وتوضيح ماهية هذه الترتيبات باعتبارها تعديلات وإجراءات تضمن تمكين الشخص من ممارسة حقوقه على قدم المساواة. كما يبرز دور الإعلام في تسليط الضوء على أهمية التأهيل النفسي والتدريب على مهارات التعامل السلوكي قبل انتقال الحالة إلى المنزل، إضافة إلى تعزيز الرقابة التشاركية عبر مؤسسات المجتمع المدني لضمان سلامة البيئات البديلة.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني