عمّان 27 كانون الثاني (أكيد)- عُلا القارصلي- نشرت إحدى الوسائل الإعلامية مقابلة مصوّرة مع أب وطفلته، روى فيها الأب معاناة أسرته بسبب أن طفلته وُلدت مصابة بمتلازمة كريغلر–نجار (Crigler–Najjar Syndrome)، وأن حالتها تطورت نتيجة تأثر الكبد والدماغ، ما جعلها بحاجة إلى زراعة كبد. المقابلة اعتمدت بشكل أساسي على البعد العاطفي، من خلال إظهار بكاء الأب وظهور الطفلة بوضوح أمام الكاميرا، في مشهد إنساني استهدف جذب التعاطف العام، دون تقديم إطار معلوماتي متكامل يتيح للجمهور فهم القضية طبيًا ومؤسسيًا.[1]
رغم أهمية تسليط الضوء على معاناة الفئات الضعيفة، إلّا أنّ الفيديو خالف أخلاقيات العمل الصحفي، خصوصًا ما يتعلق بتصوير الأطفال، فمواثيق الشرف الصحفي نصت بوضوح على ضرورة حماية الأطفال من الظهور الإعلامي في حالات الضعف الصحي أو النفسي، لما لذلك من آثار طويلة الأمد قد تشمل الوصم الاجتماعي والإيذاء النفسي مستقبلًا، والفيديو لم يحترم خصوصية الطفلة، وتم التعامل معها كأداة بصرية لتعزيز التأثير العاطفي، بدل أن تكون قضية صحية تُناقش بمسؤولية ووعي.
احتوى الفيديو كذلك على معلومات غير دقيقة، فالعنوان والمحتوى أوحيا بعدم وجود زراعة كبد للأطفال في الأردن، وهو ادّعاء لا يستند إلى واقع صحي دقيق، إذ تُجرى عمليات زراعة الكبد في الأردن للأطفال بأعمار كبيرة منذ عام 2004، وتحديدًا في الخدمات الطبية الملكية، مع تطور مستمر في الكوادر والخبرات. وبدأ إجراء عمليات زراعة الكبد للأطفال بأحجام صغيرة عام 2024، وتم تنفيذ عمليات ناجحة داخل الأردن، وهذا يؤكد عدم دقة الرواية التي قُدمت للجمهور. [2] [3]
ابتعدت الوسيلة الإعلامية في الفيديو الذي نشرته عن مبدأ التوازن في التغطية، وغاب الرأي الرسمي أو الطبي المختص، ولم يُعرض موقف وزارة الصحة، ولم تُمنح الجهات المعنية حق الرد أو التوضيح. ويشدّد (أكيد) على ضرورة عدم الاكتفاء برواية طرف واحد، في تغطية القضايا التي تمس مؤسسات عامة والقطاع الصحي، خاصة حين تحمل اتّهامًا ضمنيًا بالفشل أو التقصير.
لاحظ (أكيد) أن الوسيلة الإعلامية أغفلت أيضًا شرح طبيعة المرض نفسه؛ أي متلازمة كريغلر–نجار (Crigler–Najjar Syndrome) التي هي اضطراب وراثي نادر يصيب الكبد نتيجة خلل في إنزيم مسؤول عن معالجة البيليروبين، ما يؤدي إلى تراكمه في الدم وظهور صفار شديد منذ الولادة، هذا الارتفاع قد يتسبب بترسب البيليروبين في الدماغ وحدوث تلف عصبي خطير يُعرف بالاعتلال الدماغي الصفراوي. والمرض نوعان، أحدهما شديد ويستلزم في كثير من الحالات زراعة كبد، والآخر أخف ويمكن التحكم به جزئيًا عبر العلاج الدوائي والعلاج الضوئي المكثف. بهذا، فإن تجاهل هذا الشرح حرم الجمهور من فهم الفروق الطبية، وجعل القضية تبدو وكأنها إهمال صحي عام لا حالة طبية معقدة بشروط محددة.[4]
ويشير (أكيد) إلى أنّ هذا النوع من التغطيات لا يخدم المريض ولا الرأي العام، بل يضعف الثقة بالإعلام، ويخلط بين المعاناة الفردية والحقيقة المؤسسية، ويضرب جوهر الصحافة التي يفترض أن تكون أداة فهم، لا منصّة استدرار عاطفي لرفع نسب المشاهدات والتفاعل.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني