عمّان 11 كانون الثاني (أكيد)- عُلا القارصلي- شهدت جلسة مجلس النواب يوم الاثنين الخامس من كانون الثاني حالة من السجال بين العضو في مجلس النواب ديمة طهبوب، ووزير العمل الدكتور خالد البكار، هذه الواقعة سرعان ما تحوّلت من سياقها الرقابي إلى مادّة دسمة للتجاذب الإعلامي.
ففي الوقت الذي كان يُنتظر من وسائل الإعلام تقديم قراءة متأنية للأدوات الدستورية المستخدمة، انصبّ التركيز على شكل الخلاف ونبرته، ما أدى إلى انقسام الرأي العام بين مؤيد ومعارض، بناءً على مقاطع فيديو مجتزأة لا تعكس الصورة الكاملة للرقابة البرلمانية في إطارها التشريعي.[1]
لقد غاب عن التغطية الإعلامية المكثفة الربط الضروري بـالمادة (96) من الدستور الأردني ومواد النظام الداخلي لمجلس النواب ذات الصلة وبخاصة المواد التي تنظم حق السؤال والجواب (127، 130)، إذ بدلًا من تحليل مدى مواءمة ردود الحكومة أو أسئلة النواب للمعايير القانونية، اكتفت المنصات بنشر اللحظات المتوترة. ويبدو أن إغفال هذا الجانب، قد جعل من الصعب على المشاهد إدراك أن العلاقة بين السلطتين هي علاقة تكاملية تنظّمها أحكام، حيث تُلزم المادة (51) من الدستور الوزراء بالمسؤولية أمام مجلس النواب، وهو ما يتطلب لغة أرقام وحقائق لمساعدة النائب على الحصول على إجابة متكاملة لسؤاله النيابي.[2] [3]
ولزيادة الإثارة وجمع التفاعل، ذهبت بعض التحليلات الإعلامية لتفسير مشهد وقوف رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بجانب وزير العمل، فبينما يرى القانون أن تحرّك رئيس الوزراء تحت القبة يندرج ضمن صلاحياته في تنسيق الأداء الحكومي وضمان انضباط الفريق الوزاري وفق الدستور، ذهبت عناوين صحفية نحو تأويلات غير دقيقة، فمنهم من قرأ المشهد كـنقد العمل لوزير ومنهم من رآه دفاعًا عنه، هذا التباين في التفسير يثبت أن الإعلام ركز على لغة الجسد وتجاهل لغة المؤسسات، محولًا موقفًا بروتوكوليًا عاديًا إلى مادة للتشويق الرقمي وجذب التفاعل.
والجدير بالذكر أن وسيلة إعلامية حلّلت بالاستعانة بخبراء سبب مواقف السجال المتكررة تحت القبة، حيث أرجع الضيوف جذور الأزمة وحالة التوتر المتصاعدة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى خلل بنيوي وإجرائي في ممارسة الدور الرقابي، حيث تم تشخيص "تضخم الأداة الرقابية الكمي" كأحد أبرز مظاهر الخلل، متمثلًا في الإفراط بتقديم الأسئلة النيابية التي تجاوزت 1500 سؤال نُوقش منها أقل من 5 بالمئة فقط، ما حولها من أداة للمساءلة إلى عبء إداري، مع أنها هي أهم أداة عملية للرقابة النيابية.
كما لفت الضيوف الانتباه إلى ما أسموه "تعطيل الأدوات الرقابية النوعية"، مثل الاقتراحات برغبة ومناقشة تقارير ديوان المحاسبة، وهو ما حصر العلاقة في مربع المناكفات الشخصية، والاستجوابات التي تفتقر للمتابعة.
أما عن أسباب المشكلة، فقد حُللت بوصفها نتاجًا للضغط الشعبي المحتقن الذي يدفع النواب نحو "الشعبوية" لتفريغ استياء الشارع، وهو ما أنتج ظاهرة "التماهي السياسي" التي ضاعت فيها الحدود بين الموالاة والمعارضة سعيًا وراء كسب الرأي العام. وأشار الضيوف إلى غياب "المسطرة الواحدة" في تعامل الحكومة مع النواب، حيث أدى اللجوء لسياسات الاسترضاء الفردي بدلًا من الالتزام الحرفي بالنصوص الدستورية، إلى تعميق فجوة الثقة وإضعاف هيبة مجلس النواب.[4]
ويدعو (أكيد) الوسائل الإعلامية إلى ضرورة ارتقاء التغطية الإعلامية لمستوى سلطة الدولة، فالموضوع ليس مجرد سجال بين شخصيات عامة، بل هو ممارسة دستورية رصينة، لأن الاعتماد على العناوين الجذابة وتجاهل المواد القانونية التي تضبط إيقاع الجلسات يسهم في تشويش صورة العمل العام، بينما يبقى الأصل دائمًا في العودة إلى روح القانون والنظام الداخلي، اللذين يضمنان حق النائب في الرقابة وواجب المسؤول في التوضيح، ضمن إطار من الاحترام المتبادل الذي يفرضه العمل المؤسسي.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني