عمَّان 6 شباط (أكيد)- سوسن أبو السُندس- عادة، لا تُسنّ أنظمة قانونية تلزم المواطنين بوضع سارية علم أمام المنازل، وذلك لاعتبار هذه الممارسات خيارًا فرديًا يرتبط بالمناسبات الوطنية أو حتى الشخصية، لكن مع اتخاذ الحكومة هذا القرار فإن ذلك يستدعي توضيحًا دقيقًا من الجهات المعنية. ويتطلب هذا النوع من القرارات من وسائل الإعلام أن تسعى لتفسير القرار بشكل واضح وشفّاف، إضافة إلى مساءلة صناع القرار حول المسوّغ لهذه الخطوة حتى لا يتحول النقاش العام إلى ساحة للتهكّم أو الفهم الخاطئ كما حدث على منصات التواصل الاجتماعي.
تتبع مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) التغطية الإعلامية المصاحبة للنظامين المعدّلين لكل من نظام الأبنية وتنظيم المدن والقُرى لسنة 2025، ونظام الأبنية والتَّنظيم في مدينة عمَّان لسنة 2025، فوجد أن وسائل الإعلام تناولت جوانب من التعديلات على نظام الأبنية، بما في ذلك إلزام المباني الجديدة بتوفير مساحة لسارية العلم، ونقلت معظم وسائل الإعلام الجملة ذاتها: "وجاء ذلك لاستخدام السارية في المناسبات الوطنيَّة لتمكين المواطنين من الاحتفال بالمناسبات الوطنيَّة من خلال رفع العلم، وبما يسهم في تعزيز الانتماء وترسيخ الهويَّة الوطنيَّة الأردنيَّة.".
غير أن تفاصيل كثيرة بقيت غامضة دون شرح وافٍ، وذلك لعدم صدور التعليمات الموضّحة لتفاصيل السارية للحظة كتابة التقرير، الأمر الذي أدى إلى طرح جملة من التساؤلات لدى الجمهور رُصدت على منصات التواصل الاجتماعي بين مَنْ يتساءل عن جدوى القرار، ومَنْ ينتقده لأسباب اقتصادية واجتماعية، بينما أشار آخرون إلى أن رفع العلم وحده لا يكفي لتعزيز الهوية الوطنية، معتبرين أن الانتماء الوطني يتطلب تحسين الظروف المعيشية، ونتيجة لذلك تم تداول عدة تساؤلات حول النظام.
اشتملت أبرز ردود الفعل المتداولة التي رصدها (أكيد) عبر منصات التواصل الاجتماعي على الآتي:
أولًا: عبّر العديد من المواطنين عن قلقهم من أن إلزامهم بتركيب سارية العلم سيشكل عبئًا ماليًا إضافيًا، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
استنادًا إلى التعديلات الجديدة على أنظمة الأبنية، يُلزم أصحاب المباني المرخّصة حديثًا بتجهيز مواقع مخصصة لتركيب سارية علم أمام كل منزل أو مبنى، ولا يُتوقع أن يترتب على هذا الإجراء أعباء مالية كبيرة في ظل دراسة أمانة عمّان إمكانية تزويد المباني بالأعلام، دون تحميل المواطنين تكاليف إضافية تُذكر.
ثانيًا: أثيرت إشاعات بأن القرار جاء نتيجة لعطاء حكومي يستهدف توفير مصدر ربح لجهة ما على حساب المواطنين، أي ان توقيته يرتبط بمنافع اقتصادية على الرغم من الأوضاع المالية الصعبة.
عند العودة إلى صفحة أمانة عمان، لا يوجد أي دليل على ارتباط القرار بعطاء حكومي يستدلّ من خلاله على وجود هدف بتحقيق منافع اقتصادية خاصة. وبحسب المعلومات الرسمية من أمانة عمان، يُعدّ القرار جزءًا من خطة تنظيمية لتعزيز الهوية، إضافة لتنظيم المشهد الحضري.
ثالثًا: انتشرت مخاوف من فرض غرامات على من لا يلتزم بتركيب السارية، مع احتمال فرض تكاليف جديدة على ضريبة المسقّفات أو تكاليف صيانة الأعلام.
في هذا السياق، أكد الناطق الإعلامي باسم أمانة عمّان، الدكتور ناصر الرحامنة، في تصريح لـ (أكيد) على أن تركيب السارية يُعدّ متطلبًا أساسيًا للحصول على إذن الأشغال قبل البدء باستخدام المبنى. وأشار الرحامنة إلى أن الهدف من هذا الإجراء هو تعزيز المظهر الحضري وترسيخ الهوية الوطنية، دون تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية. وأضاف أن التعليمات التفصيلية المتعلقة بهذا الموضوع ستصدر لاحقًا لتوضيح جميع الجوانب التنظيمية والإجرائية.
رابعًا: شكك بعضهم في قدرة هذا القرار على تعزيز الهوية الوطنية، معتبرين أن تحسين الظروف المعيشية أولى.
في هذا السياق، لا بد من توضيح أن التعديلات لا تهدف فقط إلى تعزيز الهوية الوطنية من خلال الرموز، بل تأتي ضمن مجموعة من إصلاحات شاملة في نظام الأبنية تشمل معالجة مخالفات الأبنية، وتسهيل إجراءات نقل الملكية، وتحسين البنية التحتية، وهو ما يُفترض أن ينعكس إيجابًا على الحياة اليومية للمواطنين.
يشير (أكيد) إلى أن التساؤلات حول قرار السارية تعكس الفجوة في تعريف الهوية الوطنية. وبينما تسعى الحكومة لتعزيز الهوية من خلال الرموز الوطنية، يبقى التحدي في كيفية تفسير وتوضيح القرارات للرأي العام، وهنا يأتي دور الإعلام في المساءلة والتحليل والتفسير، بما يُسهم في تعزيز فهم الجمهور لأهداف هذه السياسات، وتوجيه الحوار العام نحو نقاش بنّاء يعزز وعي المواطنين بأهمية الرموز الوطنية، ويربطها بسياق أوسع يشمل تحسين جودة الحياة، وتلبية احتياجات المواطنين.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2025 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني