عمّان 18 شباط (أكيد)- عُلا القارصلي- في عام 2000 اعتمد الأردن عطلة اليومين (الجمعة والسبت) بعد جدل واسع حول أثر القرار على الاقتصاد والإنتاجية. واليوم يتجدّد النقاش مع مقترح حكومي قيد الدراسة لزيادة العطلة إلى ثلاثة أيام في القطاع الحكومي باستثناء قطاعي الصحّة والتعليم، في ظل توسع الخدمات الرقمية والتحوّل نحو الأتمتة.
المقترح الأردني الجديد يتقاطع مع تجارب دولية طبّقت نظام أربعة أيام عمل، وحقّقت نتائج إيجابية، فهناك تجربة في بريطانيا امتدّت على ستة أشهر عام 2022 شملت 61 مؤسسة، وسجلت انخفاضًا في الإرهاق الوظيفي بنسبة 71 بالمئة، وتراجع التوتر بنسبة 39 بالمئة، وارتفع الرضا الوظيفي بنسبة 48 بالمئة، مع زيادات في الإيرادات تجاوزت 30 بالمئة لدى بعض الشركات.
كما شهدت آيسلندا نموًا اقتصاديًا سنويًا بنسبة 4.1 بالمئة مع ثبات أو تحسّن الإنتاجية، فيما ارتفعت الإنتاجية في اليابان بنسبة 40 بالمئة، وانخفض استهلاك الكهرباء 23 بالمئة. في المقابل، يثار في الأردن جدل اقتصادي حول انعكاس القرار على الناتج المحلي الإجمالي البالغ 39.8 مليار دينار عام 2025، مع تقديرات تشير إلى احتمال تراجعه إلى 31.84 مليار دينار في حال ثبات الإنتاجية، أو خسارة تقارب 1.59 مليار دينار حتى مع ارتفاعها بنسبة 20 بالمئة.
نفّذ مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) رصدًا كمّيًا ونوعيًا لتغطية وسائل الإعلام الأردني لقضية التوجه الحكومي لزيادة العطلة، بهدف تحليل اتّجاهات التغطية وسماتها، وشملت العينة 15مفردة من الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع والإلكتروني، خلال الفترة من 10 شباط (تاريخ بدء الحديث عن التّوجّه) وحتى 16 شباط بواقع أسبوع تغطية.
بلغ عدد المواد المرصودة 83 مادة إخبارية بمعدل 11 مادة يوميًا، ما يعكس اهتمامًا ملحوظًا بهذه المسألة. وأشار الرصد إلى أن بعض المواد كانت مقتطعة من مقابلات مطولة (مثل الريلزات والأخبار المختصرة).
بيّنت النتائج أن اتّجاه التغطية مال بشكل واضح نحو رفض المقترح، إذ بلغ عدد المواد التي غلب عليها التأييد 14 مادّة من أصل 79 مادّة (بعد استبعاد الموادّ التي عرضت الرأيين معًا)، بنسبة 17.7 بالمئة، مقابل 65 مادة غلب عليها اتّجاه الرفض بنسبة 82.3 بالمئة. كما أشار الرصد إلى أنّ المقابلات التي جمعت بين الرأيين المؤيد والمعارض، غالبًا ما تمّ اقتطاع أجزاء منها تعكس الرأي المعارض، واستندت الآراء إلى أسباب أبرزها:
أبرز الحجج المؤيّدة لعطلة الأيام الثلاثة:
أولًا: الوفر المالي الحكومي من خلال تقليص تكاليف الطاقة (كهرباء، تكييف) والمحروقات في المباني والسيارات الحكومية، مع تقديرات بوفر يصل إلى ربع مليار دينار سنويًا.
ثانيًا: كفاءة الأتمتة تمخّضت عن القناعة بأن الحكومة الرقمية (تطبيق سند والخدمات الإلكترونية) جعلت الوجود المادي للموظف غير ضروري بنسبة تصل إلى 85 بالمئة من المعاملات.
ثالثًا: الصحّة النفسيّة والرفاهية تشهد هبوطًا في التوتّر والاحتراق الوظيفي، ومنح الموظف فرصة "لشحن طاقته"، ما ينعكس إيجابًا على إنتاجيته في الأيام الأربعة المتبقية من الأسبوع.
رابعًا: التوازن الاجتماعي يسمح بإعطاء وقت أطول للعائلة، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، والحدّ من مشاكل ضيق الوقت التي يعاني منها الموظّف.
خامسًا: تنشيط السياحة الداخلية من حيث أنّ وجود عطلة من ثلاثة أيام تشجّع على السفر داخل الأردن (العقبة، البتراء، الشمال، ... إلخ)، ما ينعش قطاعات الفنادق والمطاعم.
سادسًا: تخفيف الأزمات المرورية بتقليل حركة السيارات بنسبة 20 بالمئة أسبوعيًا، وهذا يخفّف الازدحام الخانق في المدن الكبرى ويقلّل التلوّث.
سابعًا: مواكبة التّوجهات العالمية، حيث يتمّ الاستشهاد بتجارب دول مثل آيسلندا واليابان والشارقة التي طبّقت عطلة الثلاثة أيام وأنظمة عمل مرنة أثبتت نجاحها.
أبرز الحجج الرافضة لعطلة الأيام الثلاثة:
أولًا: هناك مخاوف من خسارة الناتج المحلي الإجمالي بمقدار مليارات الدنانير (حوالي 7-8 مليارات) نتيجة توقّف عجلة العمل في قطاعات حيويّة مرتبطة بالحكومة.
ثانيًا: عدم جاهزية الأتمتة، ويترتّب على ذلك التشكيك في وصول التحوّل الرقمي لمرحلة الكمال، فكثير من المعاملات ما زالت تحتاج تدخلًا بشريًا أو نقاشًا لا يوفره النظام الإلكتروني.
ثالثًا: زيادة الأعباء المالية على المواطن، فالموظف سيستهلك في العطلة طاقة أكثر في منزله، وسينفق أموالًا أكثر على الترفيه، وهو ما لا يتناسب مع متوسط الرواتب المنخفض.
رابعًا: الفجوة بين القطاعين العام والخاص تخلق تمييزًا غير عادل، ففي حين ستصبح عطلة القطاع العام ثلاثة أيام، سيستمر القطاع الخاص (الإنتاجي) في العمل ستّة أيام، وهذا يعطّل معاملات الشركات والضرائب والجمارك.
خامسًا: ستؤدي زيادة ساعات الدوام اليومي لتعويض اليوم المفقود إلى إنهاك الموظف وتراجع تركيزه في الساعات الأخيرة من اليوم.
سادسًا: قد يستغلّ الموظف الحكومي اليوم الثالث للعمل في وظيفة أخرى، ما ينافس الباحثين عن عمل ويزيد من أزمة البطالة.
سابعًا: حاجج بعض الخبراء (بشكل طريف أو جدي) بأن حجم المشاكل الاجتماعية سيرتفع، وذلك من خلال مقاربة مفادها أنّ زيادة بقاء الموظف في المنزل قد ترفع وتيرة الخلافات الزوجية ونسب الطلاق.
ثامنًا: طبيعة المجتمع الاستهلاكية لا تجعل الموظفين يستغلّون العطلة في "مشاريع منزلية" استثمارية بل في الخمول والاستهلاك.
تاسعًا: إرباك المصالح الاستراتيجية في ظل تداخل عمل الدوائر، حيث أنّ تعطيل جزء منها يؤدي بالضرورة إلى عرقلة الأجزاء الأخرى مهما بلغت درجة الأتمتة.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني