تغطية اتفاقية تعدين النحاس والذهب تكشف فجوة في الإفصاح .. والإعلام يكتفي بدور الناقل

تغطية اتفاقية تعدين النحاس والذهب تكشف فجوة في الإفصاح .. والإعلام يكتفي بدور الناقل

  • 2026-01-12
  • 12

عمّان 12 كانون الثاني (أكيد)-سوسن أبو السُّندس- أثار ملف سيادي يتعلّق بثروة وطنية نقاشًا واسعًا على منصّات التواصل الاجتماعي تمحور حول مستوى الإفصاح عن المعلومات المقدّمة للرأي العام بشأن اتّفاقية تعدين النحاس والذهب في منطقة أبو خشيبة بوادي عربة، وعن دور المؤسسات الرقابية والإعلامية في المتابعة والمساءلة، الأمر الذي يستدعي تتبّع حجم ونوعية المعلومات المتداولة، ومدى كفايتها لتشكيل نقاش عام.

وفق البيانات الرسمية، تصنّف الاتّفاقية الموقعة بأنها غير نافذة، ولا تكتسب أثرها القانوني إلا بعد المصادقة عليها بقانون من مجلس الأمة، وهو ما أكدته لجنة الطاقة النيابية لاحقًا. [1] [2] [3]

 تتبع مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) المعلومات المتداولة على منصّات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ما نُشر في وسائل الإعلام، فتبيّن أنّ تلك المعلومات عبارة عن  إدّعاءات ومخاوف، أبرزها الجدل حول حداثة الشركة المطوّرة للمشروع، والتي تأسست في نيسان 2025، وسُجّلت لدى دائرة مراقبة الشركات كشركة أردنية تشمل غاياتها تعدين المعادن غير الحديدية والاستكشاف وخدمات الدعم الفنّي لقطاع التعدين. بهذا تتمتع الشركة بشخصية اعتبارية قائمة وأهلية قانونية كاملة للتعاقد وفق أحكام قانون الشركات الأردني.

في هذا السياق، برز خلط شائع بين حداثة الشركة ووجود شبهة فساد أو غسيل أموال، فبحسب مبادئ البنك الدولي في إدارة مشاريع الموارد الطبيعية، فإن إنشاء شركة محلية مخصّصة لمشروع ما، يُعد ممارسة شائعة في مشاريع التعدين والبنية التحتية الكبرى، ويهدف إلى تنظيم المخاطر، وتحديد المسؤوليات، وتسهيل التمويل، دون أن يكون مؤشرًا بحدّ ذاته على خلل أو شبهة، وتؤكد هذه المبادئ أن معيار التقييم لا يرتبط بعمر الكيان القانوني، بل بمدى وضوح الملكية الفعلية، وتوافر الضمانات المالية، وإثبات القدرة الفنية، وخضوع المشروع لإطار رقابي وتشريعي واضح. [4] [5]

كما أظهر الرصد تداول أرقام متباينة حول حجم رأس مال الشركة، ما أسهم في تعزيز الشكوك لدى الجمهور، إذ أشارت بعض المنشورات إلى مبالغ لا تتجاوز بضعة آلاف من الدنانير، في حين تحدّثت أخرى عن أرقام بملايين الدنانير. بينما أوضحت وزارة الطاقة والثروة المعدنية في بيانات لاحقة أن رأس المال المدفوع للشركة يبلغ 1,428,000 دينار أردني، وأن الشركة قدّمت كفالات مالية مرتبطة بالتزاماتها التعاقدية ضمن الاتفاقية التنفيذية.

في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن ما أسهم في خلق ارتباك حول قيمة رأس المال، اختلاف مراحل تطور المشروع، وذلك لان مشاريع التعدين تمر بمراحل متعاقبة تبدأ بمذكرة تفاهم غير ملزمة، وأعمال استكشاف ودراسات أولية ذات تكلفة محدودة، ثم الانتقال إلى تأسيس شركة مشروع محلية عند التوجه لمرحلة التطوير، يلي ذلك توقيع اتفاقية تنفيذية مشروطة بالمصادقة البرلمانية، وأخيرًا مرحلة النفاذ القانوني والاستثمار التجاري بعد صدور قانون التصديق،  وذلك الأمر يفسّر اختلاف رأس المال والالتزامات المالية بين مرحلة وأخرى، ويُظهر أن تغيّر الأرقام زمني وإجرائي، ولا يُعد بحد ذاته دليل خلل. [6] [7]

كما توسّع الجدل ليشمل مدة الامتياز لـ30 عامًا ومساحته 48 كم²، حيث يرى متابعون أن المعطيات كبيرة نسبيًا مقارنة بمرحلة ما زالت انتقالية بين الاستكشاف والتطوير، مطالبين بمواءمة أوضح ونشر شروط الأداء المرحلي، إلا أن الحكومة ترى أن هذه المدة والمساحة تتوافقان مع طبيعة الاستثمارات التعدينية طويلة الأجل.

في الشق المالي، جرى تداول ادّعاء على منصّات التواصل الاجتماعي بأن الشركة ستحصل على 51 بالمئةمن أرباح مشروع تعدين وادي عربة. غير أن هذا الرقم لا يمكن الجزم بدقته في ظل عدم نشر نص الاتفاقية وملاحقها المالية. وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والثروة المعدنية أن عوائد الدولة لا تُحتسب كنسبة ثابتة فقط، بل تشمل أتاوة متغيرة مرتبطة بسعر المعدن العالمي، وضريبة تصاعدية على الأرباح غير المتوقعة قد تصل إلى 50 بالمئة، إضافة إلى الضرائب الأخرى المنصوص عليها في القوانين النافذة.[8]

أما المحور الأكثر حساسية، فيتعلق بالملكية الفعلية، أي معرفة من يملك الشركة فعليًا في النهاية، وليس فقط الاسم المسجّل محليًا. وحتى كتابة التقرير لم تُنشر قوائم تفصيلية للمالكين الفعليّين.

حضرت كذلك مخاوف تتعلق بالتحكيم، إذ تنص على خضوعها للقانون الأردني مع اللجوء إلى التحكيم في غرفة التجارة الدولية في باريس. كما أكدت الوزارة أن المشروع مرّ بدراسات بيئية أولية، وأنه قبل الاستغلال الفعلي سيتطلب دراسة تقييم أثر بيئي شاملة وكفالة إعادة تأهيل، غير أن هذه الدراسات النهائية لم تُنشر بعد.

 يشير( أكيد) إلى أن الجدل القائم لا يستند إلى إثبات مخالفة قانونية بحد ذاته، بل يعكس فجوة إفصاح في ملف سيادي حسّاس. ومع بقاء الإعلام في معظمه ناقلًا للتصريحات الرسمية دون بحث أو تدقيق مستقل، انتقل النقاش من ساحة المعلومات الموثّقة إلى ساحة الانطباعات، ما يبرز الحاجة إلى نشر الوثائق والملاحق وتفعيل الدور البرلماني والإعلامي لإدارة النقاش العام على أساس معرفي واضح.