عام المجزرة القياسية والوباء الرقمي .. صرخة الـ (99) دليلًا على الفشل الدولي في حماية الحقيقة

عام المجزرة القياسية والوباء الرقمي .. صرخة الـ (99) دليلًا على الفشل الدولي في حماية الحقيقة

  • 2025-11-05
  • 12

عمّان 3 تشرين الثّاني (أكيد)- شرين الصّغير- اليوم الدّولي لإنهاء الإفلات من العقاب، الموافق للثاني من تشرين الثاني من كل عام، أصبح في حقيقته نصبًا تذكاريًا للفشل الدولي الممنهج في إحقاق العدالة وحماية الوعي العام، حيث يواصل قتلة الحقيقة التّمتع بحصانة شبه مطلقة.

إحصاءات الفشل وتصاعد الجريمة  (2024-2025)

 تؤكد إحصاءات اليونسكو أن 9  من كل 10 جرائم قتل للصّحفيين تظل دون حل، ما يعني أن نسبة الإفلات من العقاب تلامس 85%، وهو رقم يكاد يكون ثابتًا منذ سنوات، ما يُثبت أن المجتمع الدولي لم يُحقّق أي تقدّم هيكلي في هذا الملف، لا بل إن الإفلات من العقاب تحوّل من قصور إجرائي إلى حصانة ممنهجة تُمنح لمرتكبي الجريمة.

إن هذا الثبات المأساوي في نسب الإفلات قابلهُ تصعيد كمّي ونوعي خطير في الجرائم نفسها، حيث شهد العام الماضي مقتل 124 صحفيًا على الأقل، مسجلًا بذلك أعلى رقم قياسي في تاريخ الرصد منذ أكثر من 30 عامًا، متجاوزًا أرقام عام 2023 (102 قتيل)، وعام 2022 (69 قتيلًا)، ما يؤكّد أن قتلة الحقيقة أصبحوا أكثر جرأة وأمنًا من أي وقت مضى.[1]

تفاقم المشهد الكارثي في العام الحالي، حيث كشفت أحدث إحصاءات الاتّحاد الدّولي للصّحفيين (IFJ) أن ما لا يقل عن 99  صحفيًا وعاملًا في وسائل الإعلام قُتلوا حتى تشرين الثاني في مناطق النّزاع، من بينهم 50 صحفيًا في قطاع غزّة وحدها، الأمر الذي يرفع عدد ضحايا الصّحافة والإعلام في الصراع إلى مستويات كارثية، ويؤكد على استهداف الراوي والرواية لطمس الحقائق، هذا الاستهداف الممنهج يمثّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، إذ يُفترض أن الصّحقيّين يتمتّع بحماية القانون الدولي الإنساني شأنهم في ذلك شأن المدنيّين، وفقًا للمادة (79) من البروتوكول الأول الملحق باتّفاقيات جنيف، وكذلك وفق قرار مجلس الأمن رق (2222)  الذي يؤكّد على أنّ المعدات والمنشآت الإعلامية مواقع مدنية لا يجوز أن تكون عرضة لأي هجمات أو أعمال انتقامية.[2] [3]

الوباء الرّقمي وتطوّر أدوات القمع (الإفلات من العقاب الجديد)

في المقابل، لم يعد القمع يقتصر على القتل المادي، بل تطوّر ليستخدم أشكالًا قانونية و تكنولوجية تضمن إفلاتًا كاملًا للجناة منها:                    

أولًا: ظاهرة الدعاوى القضائية الاستراتيجية المناهضة للمشاركة العامة (SLAPPs)، وهي دعاوى قانونية ترفع ضد الصحفيين، لا بهدف الفوز بالقضية، بل لإغراقهم في تكاليف الدفاع القانوني المرتفعة والمطولة التي تستنزف مواردهم وتجبرهم على التراجع أو ممارسة الرقابة الذاتية، ليتحقّق بذلك هدف الإسكات دون أي حاجة لاستخدام العنف المباشر أو المحاسبة القانونية.[4]

ثانيًا: الخطر الأحدث المتمثّل في الوباء الرّقمي، حيث أشارت اليونسكو والاتحاد الدولي للصّحفيّين إلى أن استهداف الصّحفيات تفاقم بشكل خطير مع انتشار الذّكاء الاصطناعي التوليدي (AI)، حيث تعرّضت 75% من الصّحفيّات لشكل من أشكال العنف الرّقمي، وشمل ذلك استخدام التّزييف العميق (Deepfakes) لنشر المعلومات الشخصية.[5]

ثالثًا: أمّا الأخطر من ذلك، فهو أن هذا التّهديد الإلكتروني قد تحوّل إلى عنف جسدي ملموس واجهته 14 %من الصّحفيات، ما يضعنا أمام أحدث وأخطر أشكال الإفلات من العقاب الذي يصعب تتبّع هويّته ومقاضاته.[6]

الانتقال إلى الفعل والمحاسبة الدولية

في ضوء هذه المستويات القياسية من العنف والإفلات من العقاب، بات من الضروري الانتقال من الإدانة إلى الفعل الدولي الملزم، انطلاقًا من مطلب الاتّحاد الدّولي للصّحفيّين  (IFJ) لمحاسبة المعتدين على الصجفيّين والإعلاميّين، والتّطبيق الصارم للمواثيق القانونية كالمادة (79) من اتّفاقيات جنيف.، ولقد أثبت تقرير المقرّرة الخاصة أيرين خان أن قتل الصّحفيّين والعاملين في وسائل الإعلام الفلسطينية جعل العمل العسكري الإسرائيلي منذ 7 تشرين الثاني (أكتوبر) أكثر النّزاعات دموية بالنسبة للصّحفيّين والعاملين في وسائل الإعلام على مستوى العالم خلال العقود الثلاثة الماضية، ما يفرض المساءلة الدولية. [7]

صدى الصرخة صدحت دوليًا وغابت محليًا

تتبّع مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) الأخبار التي نُشرت عن هذا اليوم ليتبيّن أنه في الفترة من حزيران إلى تشرين الثاني 2025 وبكتابة الكلمات المفتاحية عبر محرك البحث جوجل، أن عدد الوسائل الإعلامية المحلية التي نشرت موادّ إعلامية (فيديو أو مكتوبة) عن اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب في عام 2025 لم يتجاوز وسيلتين واحدة مقروءة وأخرى مرئية.

وقد اقتصرت التغطية في هاتين الوسيلتين بشكل رئيس على نقل البيانات والإحصاءات الصادرة عن المنظمات الدولية كالاتّحاد الدولي للصّحفيّين واليونسكو، بينما غابت التقارير أو المواد التحليلية التي تتناول هذا اليوم من المنظور المحلّي، ما يشير إلى أن الملف لم يكن في هذا العام ضمن أولويات الأجندة الإعلامية المحلية.